(فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) مفعول بواسطة (تَتَفَكَّرُونَ) ومتعلق به، لا ظـرفُ للتفكر. أي إن الله يبين لكم الآيات والأحكام الإلهية بهذه الصورة كي تفكرون وتتعمقون في مسائل الدنيا والآخرة وأُمورهما؛ لأنّ الأمور المذكورة ليست من التعبديات المحضة التي لا يُعرف شيء منها بالتفكر.
والتفكر في الدنيا والآخرة، لا تقتصر نتيجته على اكتشاف فناء الدنيا وبـقــاء الآخرة وإدراك الزهد، فهذه النتائج تشكل فقط قسماً واحداً من ثمرات التفكر في الدنيا والآخرة، فيجب التفكر في حقيقة الدنيا والآخرة والشؤون والعلوم الدنيوية من تربية الماشية والزراعة إلى الصناعة والتكنولوجيا، كما يجب التفكر أيضاً في الشؤون والعلوم الأخروية من البرزخ إلى الجنة والنار ودرجاتهما، كــي يتم التوصل إلى أمور مؤثرة ومفيدة لحياة إنسانية سليمة.
وهذا يعني أن على الجميع أن يفكروا في الدنيا وحلالها وحرامها وجميع مسائلها، كما عليهم التفكير إلى جانب ذلك في الآخرة وما يتعلق بها من أمور، لا أن يفكر البعض في الدنيا بينما يفكر آخرون في الآخرة؛ وذلك كي يحصلوا على حسنتي كلتا النشأتين، إذ منطق المؤمنين هو طلب حسنة الدنيا وحسنة الآخرة من الله: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201]، وذلك بصورة لا تستغرقهم العلوم المادية والأُمور الدنيوية معها فتجعلهم غافلين عن العلوم المعنوية والأمور الأخروية، ولا بالعكس، بـل بشكل يتيح لهم الاستفادة من كلا هذين القسمين، فيصلون إلى سعادة الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام: (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) [النحل: 122]. وهذا النبي من خلال نظره الدقيق في الآفاق والأنفس من جهة، ودعوته الواعية إلى التوحيد من جهة أخرى، والاستقامة على هذا الطريق من جهة ثالثة؛ استطاع حيازة الشؤون العلمية والعملية لهذه النشأة، حتى أصبح مربياً ممتازاً للماشية، قل نظيره في نجاحه باعتدال النفقات وأرجحية الإنفاق؛ لذا نال حسنة الدنيا، ومن هنا قدم لضيوفه عجلاً مشويّاً: (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) [هود: 69]. مثل هذه الضيافة المشرفة كانت بسبب حيازته حسنة الدنيا، وإلا لقدّم لضيوفه شيئاً من قبيل الخبز والجبن.
إذا كان مربي الماشية أو المزارع يعمل وفقاً للأصول الصحيحة، وينفق في معيشته من المال الحلال، ويقدم خدماته للآخرين، فستكون حسنة الدنيا مــن نصيبه. وبنفس المنوال يكون نوال حسنة الآخرة أيضاً طبقاً للعقائد والأخلاق والأعمال.
وعلى هذا الأساس لا تكون (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ظرفاً للتفكر؛ لأنّ الآخرة ظرف شهودٍ لا مكان فكر والإنسان في الدنيا يرتب قياسه بالمفاهيم الذهنية فيصل إلى صحة أو بطلان المطالب، أما في الآخرة وبسبب وضوح كـلّ الأشياء، فلا مجال للاستنباط الفكري وإدراك الحقائق بالعلم الحصولي والمفهوم الذهني. فإذا أراد شخص ما أن يفكر في أسراره، فجميع أسراره قد خرجت من الداخل إلى الخارج (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) [الطارق: 9]، أما إذا أراد أن يتفكر في نظام الكون فقد ارتفع الحجاب عنه: (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق: 22] واتضحت له كل الأشياء.
ورغم عدم وجود مطلب صريح في هاتين الآيتين عن المسائل الأخروية، إلّا أن المجتمع قد دعي فيهما للتفكر في الآخرة كما دعي للتفكير في الدنيا، فيُعلم أنّ هذه الجملة عامة تشمل كل الأصول والمعارف والأخلاقيات والأحكام الفقهية، وذلك على الرغم من وجود النص في هذا المورد، أي فكروا في سبب حرمة الخمر والميسر، ولماذا يجب أن تكونوا من أهل الإنفاق؟ ولماذا يجب رعاية الإصلاح والأخوة في العلاقة مع الأيتام؟
والمهم هو النزاهة عن الدناءة في خضم الاختلاط بالشؤون الدنيوية (بنحو السالبة بانتفاء المحمول)، لا البراءة من الدناءة بترك الاختلاط (السالبة بانتفاء الموضوع).
والتواجد في وسط المجتمع، ورعاية الأيتام الفقراء بتوفير مـا يـؤمن احتياجاتهم، وتدبير شؤون الأيتام الأغنياء بطريقة معتدلة، هي التي تليق بالمتفكرين في ملك الدنيا وملكوت الآخرة.
ملاحظة: دعا القرآن الكريم الناس في موارد كثيرة جداً إلى التفكر والتأمل، كي تكون أعمالهم متقنة ومحكمة. في البداية يبيّن للناس حقيقة الإنسان، ثم يقوم بإفهامهم أسرار العالم، وحينئذ يوضح الآيات الإلهية كي يفكّروا في روا في أُمور الدنيا والآخرة، ويكون إيمانهم إيمان العلماء لا إيمان المقلّدين، فيستطيعوا الدفاع عن إيمانهم بصورة صحيحة.
لو فكر مسلمو صدر الإسلام في آثار الشراب والقمار بدقة، لاكتشفوا ان هذين الشيئين (البضاعة والعمل) لهما نفع موهوم قائم على أساس الشهوة والغضب. إن إنسانية الإنسان تقتضي أن يحيى بطريقة تؤمن له إشباع شهوته وغضبه، في نفس الوقت الذي تتيح لعقله فرصة التفتح.
ويدرك الإنسان على ضوء معرفته الشخصيّة أنّ أقل رشده هو صيرورته ملكاً متوسطاً، وأن جميع العالم مسخّر في خدمته كي يصل إلى هذا المقام. فحتى لو كان حيواناً، لغضّ طرفه عن الربا وعن الخمر والقمار أيضاً؛ لأنّ الله يقول لمن لا يستخدمون عقولهم: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر: 3].
ويجب الالتفات إلى بقاء الشهوة والغضب ما دام الإنسان موجوداً، وأن كل واحد منهما يأخذ نصيبه الخاص به، وعدم زوال أي منهما، حيث يسيطر العقل البرهاني والنقل المعتبر عليهما ويدبّرانهما، فينقادان لهما.