المنافع المتخيلة للخمر والميسر
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج11، ص64-66
2026-09-15
36
كما ذكرنا سابقاً، فإنّ المنافع المقصودة في (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) [البقرة: 219] ليست هي المنافع الواقعية والنفسية التي يقرّها الشرع وعقلاء العالم. ويظهر بالمقارنة أنّ مضار الخمر والقمار أكثر من نفعهما، فالمراد هو النفع الكاذب الذي كان أهــل الحجاز الجاهلون يتوهمونه منفعة، فعبّر الله عن هذه الأرباح المتخيلة لهذين الشيئين بلغة الناس في ذلك العصر بعبارة (منافع)؛ لأن قسماً مهماً من اقتصاد هؤلاء الناس كان يقوم على إعداد وبيع الخمر والقمار، وفي بعض الأحيان كــان ذلك يوفّر لهم قدرة كاذبة أيضاً، ومن هنا. بعد ذلك مباشرة وفي مقام التقييم. أبدل الله التعبير بالجمع (المنافع) إلى المفرد فقال: (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) [البقرة: 219]. وهنا صار الحديث عن النفع (المفرد) لا المنافع (الجمع)، وأي نفع، إنه النفع الظاهري والنسبي لا الواقعي والنفسي؛ لأنّ الشيء عندما يكون في ذاتـه رجـسـاً وشراً، لا يمكنه أن يكون مفيداً أبدا (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) [المائدة: 90].
وظاهر الآية هو أنّ الخمر والميسر كانا رجساً من أول الأمر، ولم يكونا حلالاً ثم أصبحا رجساً. وعلى هذا فإنّ الخمر في الإسلام لم يكن حلالاً في أي وقت، ثمّ تحوّل شيئاً فشيئاً إلى الحرمة، بل إنّ الذي تم بصورة تدريجية هو إعلان حرمته، لأن التحوّل الضروري كان في مقام الإثبات لا في مرحلة الثبوت.
واحتمال أن يكون إثمهما قد أصبح بعد التحريم أكبر من منافعها، هـو احتمال واه. وجدير بالذكر أن النفع لما كان حراماً فالتجارة تجارة كاذبة لا صادقة، والمنفعة المذكورة منفعة موهومة لا حقيقية.
تنبيه: إن منفعة الخمر عند البعض حقيقية، وعند بعض آخر متخيلة، كما سبق.
ولو كان أحد الأطباء المتدينين الملتزمين يعتقد أن النفع الطبي للخمر نفع حقيقي، فرغم كون ذنب الخمر من الذنوب الكبيرة ومفسدته الجانبية أكثر من نفعه الطبي، لا يمكن إفساح المجال لإساءة الظن بحرمة الطب ونزاهة هذا الطبيب المتدين الملتزم. ونفس الشيء لو كان أحد رجال الاقتصاد الملتزمين المتدينين يعتقد بأن للربا في مجال تنمية الصناعة والتجارة نفعاً حقيقياً، خلافاً لنظر البعض الذي يرى نفعه وهميّاً، فرغم كون ذنب الربا من الكبائر ومفسدته الجانبية أكثر من نفعه الاقتصادي، لا يمكن إساءة الظن بعلم الاقتصاد أو حرمة هذا الاقتصادي المتدين الملتزم، كما لا يمكننا الدفاع عنه أو محاربته معتمدين على ما نظنه صحيحا دون أن يكون لنا باع طويل في تلك التخصصات.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة