يسألون عن الشيء الذي يجب عليهم إنفاقه بحيث يكون مشروعاً من جهة ورافعاً لمصاعب الآخرين المالية من جهة ثانية. إذن فالمحور الثاني للآية الأولى هو متعلّق الإنفاق (المتفق): (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: 219].
وهذا السؤال نفسه مرّ سابقاً أيضاً، وقد تم تحليله إلى ثلاثة أمور أجيـب عليها:
الأمر الأوّل: يجب أن يكون (المنفق) حلالاً طَيِّباً، قُلْ أَم كَثُرَ: (مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ) [البقرة: 215].
الأمر الثاني يكون (المنفق عليهم) في الدرجة الأولى هم الوالد والوالدة، ثمّ الأقرباء والأيتام والمساكين وأبناء السبيل: (فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [البقرة: 215].
الأمر الثالث: يجب أن يكون الإنفاق بنيّة مخلصة ومراعاة الاحترام والأدب؛ لأنّ الله بكل شيء عليم: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [البقرة: 215].
وفي هذه الآية يتكرّر طرح السؤال للمرّة الثانية، فتأتي الإجابة عليـه مـن زاوية أُخرى، هي: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: 219].
وقد ذكر المفسرون ثلاثة تفسيرات لكلمة (العَفْوَ)[1]، هي: 1. العفو الأخلاقي (العفو الاصطلاحي) مضافاً إلى العفو المالي: يقال لتجاوز الإنسان عن ذنب الآخرين وترك عقوبتهم (عَفْو)، إذ الانتقام هو حد الاعتدال، والتنازل عنه زيادةً عن حد الاعتدال هو العفو، الذي يعبر عنه بالإحسان أيضاً.
2. الزائد على اللوازم الضرورية للمعيشة: وهذا المعنى منقول عن الإمام الباقر عليه السلام أيضاً[2]. ولما كان الإنفاق المذكور في الآية مطلقاً تتضمن المستحب منه والواجب، والإنفاق المستحبّ ليس له نصاب خاص؛ فيكون إنفاق الأموال الزائدة على احتياجات المعيشة الضرورية. سواء واء قلت أم كثرت ـ من الأمور المطلوبة إذا كان في سبيل الله. ولا يوجد أي تناقض بين استحباب هذا العمل ووجوب الإنفاقات المحدّدة والمعيّنة. ومن هنا فإنّ أدلة الإنفاقات الواجبة لیست ناسخة لمثل هذا الحكم المستحب بأي حال من الأحوال.
والدليل على أنّ (الْعَفْوَ) [البقرة: 219] الوارد في الآية يمكن أن يكون بمعنى مطلق الزيادة والزائد على لوازم المعيشة، هو استعمال هذه المفردة في القرآن بنفس هذا المعنى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) [الأعراف: 94-95] حَتَّى عَفَوا؛ أي «حتى زادوا وفضلوا».
ومن المعاني التي يلزم توضيحها في هذه الآية أن السبب في ابتلاء الناس بالبأساء والضراء هو حثهم على التضرع؛ إذ إنّ الإنسان المرقه لا يكون من أهل الأنين والابتهال، وما دام الإنسان لم يكن خاشعاً ولا متضرعاً إلى الله فلن يكــون مسلّحاً «وسلاحه البكاء[3]»، وما دام الإنسانُ غير مسلّح فـهـو غـيـر مـصـون مـن لدغات عدوّه الغادر الكامن له بالأحابيل والساعي إليه بالمكر. ولما لم يستفد هؤلاء الناس ـ الذين ابتلاهم الله بالبأساء والضراء. من هذه الفرصة وظنوا أن الله قد حقرهم وأهانهم بامتحانه إياهم بصعوبات الحياة؛. الله حرمهم من لطفه وأبدل ما كانوا يكرهون من المشاكل المادية إلى وقائع سعيدة مستحسنة، حتّى أصبحوا أثرياء مرفهين يمتلكون الكثير من المال.
3. المقدار المتوسط والمعتدل[4]: الإنفاق المطلوب هو الذي لا يكون إسرافاً وإفراطاً ولا تقتيراً وتفريطاً. ولهذا المعنى شواهد قرآنية وروائية.
أما الشواهد القرآنية فهي الآيات (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) [الإسراء: 29]، و(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: 67].
أما الشاهد الروائي، فهو قول الإمام الصادق عليه السلام في ذيل الآية، حيث فسّر (العفو) بالمقدار المتوسط بين الإفراط والتفريط (حد الاعتدال)[5].
ملاحظة: إن الجمع في آية واحدة بين التحذير من الخمر والميسر، والترغيب في إنفاق العفو، هو بسبب توفّر المشتري لمتاعي الطغوى والتقوى، فبعض يفضل هذا وآخر يفضّل ذاك مجموعة تخسر بإزالة العقل، ومجموعة أُخرى تنال السؤدد بإشعالها مواقد الإيثار.
أما ذكر الأيتام فهو للتنبيه إلى المورد المناسب للإنفاق، سواء كان مالاً أم عملاً؛ إذ إن تقديم الخدمات المخلصة والمجانية هي المصداق البارز لإنفاق الخير من جهة، ومن جهة ثانية إنفاق للعفو المقصود في الآيتين المذكورتين (215 و220)، وبهذا الإرشاد والتوجيه يتضح الإنفاق الأمثل للأموال.
[1] مجمع البيان، ج1-2، ص 558؛ تفسير منهج الصادقين، ج1، ص566-567.
[2] مجمع البیان، ج1-2، ص558.
[3] إقبال الأعمال، ص 224؛ مفاتيح الجنان، دعاء كميل.
[4] راجع الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص 196.
[5] مجمع البیان، ج 1-2، ص 558.