تحرير عنوان العمود الصحفي:
يبدو أن هناك عدة اتجاهات تحريرية تسيطر على تحرير عنوان العمود المقالي نستعرض أهمها فيما يأتي:
1. الاتجاه الأول:
وطابعه غالب يتمثل في كتابة اسم، أو لافتة، أو عنوان واحد رئيسي للعمود ثابت طبعا لا يتغير أبدا، ويكتفي بهذا العنوان وحده، أي: يصير علمًا على جميع المقالات في جميع الأيام دون أن يتلوه أو يظهر بعده عنوان آخر وذلك مثل عنوانات: فكرة ما قل ودل خاطر الصباح، نحو النور».
2. الاتجاه الثاني:
يتضمن الاسم أو اللافتة أو العنوان الرئيسي الثابت اليومي أو الأسبوعي، ولكن يظهر إلى جانبه وأسفله في أغلب الأحوال عنوان آخر يكون دالا على مقال اليوم، أو الأسبوع، أو المقال الدوري ويتغير بتغيره وبما يناسب مادته وهو الأسلوب المتبع في مقالات أعمدة عربية مثل: صندوق الدنيا وجهة نظر مجرد رأي في الصميم فنجان قهوة آراء حرة بصحف الأهرام والرأي العام والعرب على التوالي.
3. الاتجاه ثالث:
يوجد فيه ثلاثة عنوانات كاملة للعمود الصحفي الواحد، ويحدث ذلك في أحوال من بينها عندما ينشر نفس العمود بنفس اسمه، أو عنوانه الرئيسي على صفحات العدد الأسبوعي، أو عدد خاص، أو عدد ضمن أعداء "الإعلام التسجيلي أو الإعلاني" كما قد يفعل بعض الكتاب ذلك في مناسبة من المناسبات الصحفية، أو الخاصة ، أو الوطنية أيضا، ولعل أبرز هذه العنوانات عنوان عمود جلال الدين الحمامصي الذي ينشر في عدد الجمعة - آخر الأسبوع - من صحيفة الأخبار القاهرية، حيث يتكون من ثلاثة عنوانات: أولها الأساسي المنتظم الثابت الذي ينشر تحت اسم "دخان في الهواء"، والثاني عنوان أسبوعي مفتاحي هو "دردشة آخر الأسبوع"، بالإضافة إلى العنوان المتغير الذي ينشر من يوم لآخر مرتبطا بموضوع العمود اليومي.
4. الاتجاه الرابع:
يخلط بين الاتجاهين السابقين فقط؛ أي: إنه لا يستقر على حال، مما يخالف طبيعة الأعمدة ولكن لحسن الحظ أنه اتجاه ضعيف، وقليل الحدوث، ونادر النماذج أيضا.
5. اتجاه نادر آخر:
يعود بالعمود إلى بعض اتجاهات كتابة عنوانات الخبر الصغير، وكذا بعض أنواع المواد الإعلانية حيث يظهر الخبر الصغير، أو الإعلان بدون عنوان على الإطلاق حيث يقول بعض أصحاب هذا الاتجاه إن ذلك يكون طريقاً هاماً، أو وسيلة إلى جذب القراء نحوه وتوقفهم عنده وهو كما نرى اتجاه غير واقعي ومرفوض في أكثر الأحوال، بل في غالبيتها العظمى، حتى كاتجاه "حر" ثائر على التقاليد والأسيجة؛ ذلك لأننا لا نضمن إن كان القارئ سوف يمضي في متابعة الخبر أو الإعلان أم لا؟ فضلا عن روح الخديعة المشرب بها، وذلك بالإضافة إلى حيرة القارئ وتردده وقلقه وهو يحاول أن يتعرف على "هوية" هذه المادة قبل قراءتها أو متابعة هذه القراءة كما لا يمكننا تجاهل جاذبية العنوان الثابت أو المتغير وارتباطه بكاتب صديق، وحيث يوشك هذا الاتجاه أن يهدم بعض أركان «فلسفة الأعمدة» من أساسها.
ولأن العنوان يقوم بدوره المهم من أجل جذب القراء إلى قراءة المقال، مثلما يقوم بعقد صلة التعارف ويدعمها بين القارئ والمقال نفسه، بالإضافة إلى الدلالة على نوعية العمود الصحفي، وعلى اهتمامات كاتبه، وعلى موضوعه أو موضوعاته، والاتجاهات التي تسوده، فضلا عن الدلالة على شخصية الكاتب نفسه وفكره, وذلك كله بالإضافة إلى ما يمكن أن يقدمه هذا العنوان نفسه من «خدمات» لسكرتير التحرير تتصل عن قرب بجوانب الجمال والإشراق في الصفحة وباعتباره ركيزة هامة من ركائزها أحيانا أو من ركائز نصفها أو ربعها - وفق مكان العمود - وقبل ذلك كله؛ لأن عنوان العمود ركن هام من أركان «فلسفته» وقيامه بدور الصلة المستمرة والرابطة القوية والمدعمة بين القارئ والعمود، من أجل ذلك كانت هناك عدة ملامح وخصائص وشروط أيضا تتصل بتحرير هذه الوحدة الهامة وينبغي توافرها بالنسبة لها تلك هي:
- أن يستقر أولا وبادئ ذي بدء على نظام واحد ثابت للعنوان، كأن يكون مثلا عنوانًا واحدًا يقوم بمقام «اسم» المقال، وينشر كل يوم في نظام ودقه فإذا كان لا بد من عنوانين هذا الأول الثابت والآخر المتغير بتغير الموضوعات والمقالات، فينبغي أيضًا الحفاظ على هذا النظام والدقة في تنفيذه، وهكذا وإن كان من المفضل في حالة قيام محرر واحد بكتابته يوميا، أن يكون له هذا العنوان الواحد الثابت المنتظم؛ لأنه الأكثر اقترابا من فلسفة الأعمدة الصحفية.
- أن يكون هذا العنوان الذي هو بمثابة اسم للعمود الذي جرى الاستقرار عليه مختصرًا كل الاختصار، بحيث يتكون من كلمة واحدة مثل: «كلمة، صواريخ غرابيل، فكرة ... إلخ» أو من كلمتين مركبتين مثل: «نحو النور، آخر العمود، خاطر الصباح، في الصميم آراء حرة.. إلخ» ويستحسن ألا يزيد عن ذلك، فإذا زاد عن ذلك فهي ثلاث كلمات قصار، أو هما كلمتان فقط يضاف إليهما حرف مهم، أو أداة استفهام، أو إشارة، أو نحو ذلك مثل: "ما قل ودل دخان في الهواء، من غير سياسة" وصحيح أن هناك كما كان هناك أيضا - ذلك العنوان الثابت المكون من أربع كلمات مثل: "نقطة فوق حرف ساخن مع قرائي كل صباح: صحيفة الجمهورية المصرية ولكن أكثر المحررين لا يميلون كثيراً إلى اتباع ذلك.
- ولكن المطلوب ليس هو اختصار العنوان فقط، خاصة إذا كان النظام المتبع هو أن يكتب تحته عنوان آخر متغير، وإنما ينبغي أن يكون هذا العنوان المختصر دالا كل الدلالة على طابع المقال وطبيعته ونوعية مادته الغالبة على أكثره، وعلى الاتجاه الذي سوف يسود كتابته في معظم الأيام أو الأسابيع فلا يعقل مثلا أن يكون العنوان الثابت هو "مع العلم" بينما العمود يتناول عرض أو نقد الكتب الجديدة.
- مثلما أنه ليس من المعقول أن يرتفع عنوان مثل "في الشبكة" على عمود علمي متخصص وهكذا، وحتى الأعمدة العامة، ينبغي اختيار عنواناتها الدالة عليها وعلى مادتها، وعلى شخصية محررها أيضا، فعنوان مثل "أتحدى" ينبغي أن يختلف مضمون عموده عن مضمون عمود بعنوان "قبلات" وعنوان آخر مثل "وسام على صدره" يدل تماما على مادة مقاله الذي يقدم الأنموذج والقدوة الصالحة، وهو يختلف عن مقال عمودي آخر يرتفع فوقه عنوان مثل: "كلام فارغ" وهكذا.
- كذلك فإن الاختصار، والدلالة وحدهما لا يكفيان، وإنما ينبغي أن تتصف كلمة أو كلمات العنوان ب:
- بما يجذب نحوها عيون القراء "الجاذبية".
- بما يجعلها واضحة الدلالة على مادتها ومضمونها وطابع المقال العمودي "الوضوح".
وهكذا نجد أن الجاذبية وأن الوضوح ضرورتان لاختيار كلمة العنوان أو كلماته، حيث تساهم هذه كلها في جذب القارئ نحوه، وحرصه عليه، ومتابعته له.
- وبالمثل فإن جدة الفكرة - فكرة العنوان هنا - واتصالها بعنصر الابتكار المتفاعل، أو المنسجم مع الهدف من وجود العنوان، وبل والعمود كله، هذه أيضا تكون من معالم نجاح عنوان مقال العمود، ومن الشروط التي ينبغي توافرها فيه، وهذا العنصر يعني، ويتحقق بواسطة أساليب عديدة، يعرفها الموهوبون من المحررين ويحرصون عليها ، ويبلغ حرصهم عليها أشده عند الاستقرار أو الاتفاق على كتابة عمود جديد، حيث يجهد المحرر أو عدد من المحررين أنفسهم من أجل العثور على عنوان أو «اسم» للعمود ، ينبغي أن يتوافر فيه، وبالإضافة إلى ما سبق ومن زاوية ابتكاريه هذه المرة:
- الجدة الكاملة، أي: أن يكون العنوان جديدا، لم يسبق استخدامه من قبل، ولا يستخدم الآن في صحيفة أو مجلة أخرى، وذلك باستثناء:
- أن يكون من الأعمدة ذات التاريخ الطويل والأثر الكبير وتريد الصحيفة أن تحافظ على بقائه كأحد معالمها الرئيسية والأساسية، ونتيجة لما أثرى به صاحبه حياتها والحياة الاجتماعية ككل.
ويزيد من ذلك عندما يكون لهذا المحرر أخ أو ابن أو قريب يعمل بالصحيفة نفسها أو بالعمل الصحفي في مجموعه، ويمكنه أن يقدم له طابع الاستمرار وأن يحافظ على هويته تماما، وعلى استمرار أدائه لدوره.
- أن يكون العنوان الثابت قد استخدمته صحيفة أو مجلة قديمة، كانت تصدر بنفس البلد أو بغيره منذ عدة أعوام "بعد إتباع الأسلوب المهني اللائق خاصة في حالة وجود كاتبه أو رئيس تحرير الصحيفة أو صاحبها على قيد الحياة".
- أن تكون الصحيفة التي تستخدمه أو المجلة مما يصدر في بلد أجنبي، وإن كنا لا نفضل ذلك تماما ولا نؤيده؛ لأن أمام المواهب ما يتسع من أجل الحصول على أفكار لعنوانات جديدة، مبتكرة تختلف تماما عن العنوانات التي تستخدمها هذه الصحف والمجلات الأجنبية.
- الابتكار والاختلاف عن أفكار العنوانات الأخرى فلا يكفي أن يكون العنوان جديدا لا يستخدمه الآن عمود آخر، لكاتب آخر في صحيفة أو مجلة أخرى، وإنما ينبغي أن يتحقق به طابع الابتكار الذي يعكس المواهب. ويقدم الإبداع في أفضل صوره، ويدل على تلك الدرجة الرفيعة من الحس الفني الصحفي الابتكاري لأسرة الصحيفة أو المجلة عامة، وللمحرر خاصة، ويحسب أن هذه الأسرة تشارك في عملية اختياره، هذا ومن أمثلة عنوانات الأعمدة التي تظهر فيها هذه المقدرة على الابتكار، وعلى سبيل المثال لا الحصر وإن تكرر ترديدنا لها. بحسبها هنا أعمدة "أنموذجية" خاصة ما يتصل بعنواناتها: "فكرة، ما قل ودل، نحو النور، نحو الغد، قطر الندى من القلب، خاطر الصباح، صباح الخير نصف كلمة، حياكم الله، ورد وشوك، أقول لكم، بين السطور... إلخ". ومن الصحف الأجنبية: "النوافذ المفتوحة أبيض وأسود لماذا؟ من عش العصفور... إلخ".
- عقد صلة تعارف مباشرة: بمعنى أن يكون العنوان من ذلك النوع الذي يتجه إلى القارئ مباشرة بحيث يخاطب قلبه وحواسه إلى درجة يشعر معها كل قارئ أن صاحب أو محرر هذا العمود يتوجه به إليه قبل غيره، بل وربما إليه فقط كصديق، وصديق قديم أيضا، وذلك من مثل هذه العنوانات الثابتة والتي سبقت الإشارة إلى بعضها عربية وأجنبية: "مع قرائي، السلام عليكم، عزيزي أقول لكم، من الأعماق، حياكم الله، كلمة حب... إلخ".
ومن خصائص العنوان الناجح أيضا أن يكون سهل الارتباط بالقراء وسهل التذكر، وقبلها يكون سهل الدخول إلى عقولهم وقلوبهم أو سهل "التسلل" إليهما، وقد ثبت أن العنوانات المأخوذة عن آية قرآنية كريمة، أو عدة كلمات منها، أو عن حديث شريف، أو عن حكمة أو قول مأثور أو بيت شعر شهير، أو جزء من خطبة تاريخية، ثبت أن مثل هذه العنوانات هي التي تحقق صفات الارتباط بالقراء وسهولة تذكرها، كما تزيد من قيام صلة التعارف التي تحدثنا عنها خلال الفقرة السابقة، ومن هنا، وبالإضافة إلى ما سبق تقديمه فإننا يمكننا أن نقترح هذه العنوانات الجديدة للمقالات العمودية الثابتة التي يمكن أن تحقق هذه الصلة، فضلا عن سهولة تذكرها، أن من بينها مثلا، مع ملاحظة أن بعضها قد يكون قد استخدم في بعض الأوقات كعنوان لبعض الأعمدة، مما يقفز إلى ذاكرتنا، أو على سبيل توارد الخواطر فقط، حيث إننا لا نتذكر سابق استخدامها.