إذا كان البداء هو تغيير المصير بالعمل الصالح والطالح ، وأنّه يقع في الأمور الموقوفة لا المحتومة ، يسهل على الباحث علاج الإخبار بالمغيبات من جانب الأنبياء مع عدم تحققه.
ونرى من هذه الإخبارات نماذج في الكتاب والسنّة :
1 ـ رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل ، ورؤيا الأنبياء وحي (1)، فتلك الرؤيا الصادقة تحكي عن حقيقة ثابتة وواقعية مسلّمة ، وهو أمر الله لإبراهيم بذبح ولده أولا ، وتحقق ذلك في عالم الوجود ثانيا، وكأنّ قوله : (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) يكشف عن أمرين:
أ ـ الأمر بذبح الولد وهو أمر تشريعي.
ب ـ الحكاية عن تحقق ذلك في الواقع الخارجي. فقد أخبر إبراهيم بذلك من طريق الوحي. وأخبر هو ولده بذلك.
ومع ذلك كله لم يتحقق ونسخ نسخا تشريعيا ، كما نسخ نسخا تكوينيا. ويحكي عن كلا الأمرين قوله سبحانه: (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ).
فينطرح في ذهن الإنسان : كيف يجوز أن يخبر النبي بشيء من المغيبات ثم لا يتحقق؟!
2 ـ إنّ يونس (عليه السلام) أخبر قومه بنزول العذاب وأنّه مصيبهم. ومع ذلك كله لم يأتهم (2) يقول سبحانه :
(فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) (3).
3 ـ ما جاء في قصة موسى بن عمران حيث إنّ موسى أخبرهم بأنّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة كما عن ابن عباس حيث قال : «إنّ موسى قال لقومه إنّ ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه ، وأخلف هارون فيكم ، فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشرا ، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها الله» (4).
قال سبحانه: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (5).
هذه جملة الإخبارات التي وردت في القرآن والتي أخبر بها الأنبياء ولم تتحقق وقد جاء نظير ذلك في الروايات الإسلامية نذكر منها:
ما روي عن المسيح عيسى بن مريم أنّه مرّ بقوم مجلبين. فقال ما لهؤلاء؟ قيل يا روح الله إنّ فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان بن فلان في ليلتها هذه.
قال: يجلبون اليوم ويبكون غدا. فقال قائل منهم : ولم يا رسول الله؟
قال: لأن صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه ... فلما أصبحوا جاءوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء.
فقالوا يا روح الله إنّ التي أخبرتنا أمس أنها ميتة لم تمت. فقال عيسى : يفعل الله ما يشاء فاذهبوا بنا إليها.. حتى قرعوا الباب فخرج زوجها فقال له عيسى استأذن لي على صاحبتك. فتخدرت ، فدخل عليها. فقال لها : ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثلها. وإنّه جاءني في ليلتي هذه وأنا مشغولة بأمري وأهلي بمشاغل ، فلما سمعت مقالته قمت متنكرة حتى نلته كما كنّا ننيله.
ففي هذه اللحظة قال عيسى لها تنحي عن مجلسك. فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه.
فقال (عليه السلام) : بما صنعت صرف عنك هذا» (6).
ومنها ـ ما روي أنّه مرّ يهودي بالنبي فقال : السام عليك ، فقال النبي له : وعليك.
فقال أصحابه : إنما سلّم عليك بالموت ، فقال الموت عليك!
فقال النبي : وكذلك رددت.
ثم قال (صلى الله عليه وآله) لأصحابه: إنّ هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله.
فذهب اليهودي فاحتطب حطبا فاحتمله ثم لم يلبث أن انصرف. فقال له ضعه ، فوضع الحطب : فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود. فقال (صلى الله عليه وآله). يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال ما عملت عملا إلّا حطبي هذا فحملته فجئت به ، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين. فقال رسول الله : بها دفع الله عنه. وقال : إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان (7).
وهناك نظائر لما مضى لا تخرج عن عدد الأصابع.
______________
(1) لاحظ الدر المنثور ، ج 5 ، 280.
(2) مجمع البيان ، ج 3 ، ص 135. وتفسير الطبري وتفسير الدر المنثور.
(3) سورة يونس : الآية 98.
(4) الدر المنثور ، ج 3 ، ص 115.
(5) سورة الأعراف : الآية 142.
(6) بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 94 ، ذكرنا الرواية بتلخيص.
(7) بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 118.