المسلمات الأساسية في التحرير الصحفي:
"جان كرم" ترى ان الأنشاء الصحافي يمر بالمسلمات الأساسية الاتية:
1. أن لغة الصحافة عملية فهي ليست أدبية خاصة، وأن زمن المباهاة بالقدرة البلاغية قد ولى، مثلما أنها ليست علمية بحتة، وإن أفادت من موضوعية اللغة العلمية وبعض أساليبها، ولكنها عملية؛ أي يتناول الناس مفرداتها وتراكيبها وأساليبها.
2. لغة الصحافة تأليف معد للقراءة: فالقارئ أمام الصحيفة سيد الموقف، فهو قادر على تحديد وقت القراءة، ومدتها، ولديه الفرصة الكافية لإعادة قراءة الرسالة، والتوقف عند مقاطع معينة أو جمل معينة، أو مفردات وصولاً إلى فهم ما يمكن أن يكون فاته فهمه أثناء القراءة السريعة أو القراءة الأولى، وهذا كله له فعله وله تأثيره في كاتب الرسالة وفي القارئ على السواء، فالأول أصبح مدركاً أنه ملتزم بمراعاة شروط التأليف الكتابي، من حيث التأني في صياغة المادة والاعتماد على فطنة القارئ وقدرته على الربط والتحليل والثاني صار متيقنا من أن الرسالة هي ملك له، ولا ضرورة للتسرع في استقبال ما يقرأه.
ولما كانت لغة الصحافة تعتمد على الكلمة كأساس لتأسيس الكتابة، ولكن هناك عناصر أخرى مساعدة تعين على تأمين الوضوح والإفهام منها هندسة العناوين والصفحة والصورة الثابتة، والرسوم البيانية والجداول الإحصائية والرسوم الكاريكاتورية، وهذه كلها يأخذها الصحفي في الحسبان عند التأليف، وصحيح، - تواصل جان كرم حديثها - ليس هناك تأليف مقروء في المطلق، ولكن هناك بعض تمايز يبين الكتابة في الصحيفة اليومية، والكتابة في الدوريات الأسبوعية أو الشهرية أو غيرها. إذ إن نسبة الخلق الإنشائي الإعلامي في الصحيفة اليومية محدودة جدا، إذ إن الصحيفة اليومية ذات هدف واضح، وهو إيراد الخبر بسرعة اعتمادًا على ما تصوغه وكالات الأنباء، وصياغة الوكالات هنا موجزة ومبسطة ودقيقة، فلا يضيف الكاتب سوى بعض مقدمات الأخبار، وبعض عبارات الوصل، والخاتمة، والكاتب لا يقوم بعمل أساسي في صياغة الرسالة إلا في مجالات الريبورتاج (التقرير) والمقال، أما في المجلات الأسبوعية والشهرية أو الفصلية، فإن الهم الأساسي هو توسيع مدار الخبر وتحليله والتعليق المطول - نسبيًا عليه إذا ما كان التأني في الابتكار الإنشائي متوافرة أكثر، وكذلك إمكانات المناورة الأسلوبية.
3. البساطة: السمة الثالثة من الإنشاء الصحفي فهي البساطة خاصة، وأن الرسالة موجهة إلى جميع القراء، دون استثناء إلى العالم والمثقف والجامعي مثلما أن التاجر، وصاحب المقهى، وربة البيت والنجار والحانوتي والموظف... الخ فلا يجوز هنا أن تمسك الجهة الصانعة للرسالة بوجهة نظر استعلائية، بما يوجب عليها النزول إلى المستوى اللغوي الوسط.
4. الدقة والتجسي، فالدقة والتجسيد في استعمال اللغة ضرورية، فكلمة امتعض غير الغضب، أو أثار مع أن فيها كلها معنى ردة الفعل السلبية، والوجنة غير الخد والجفن غير الهدب، والأكلة غير الوجبة، وخلط غير مزج، وكذلك الدقة في اختيار الفعل ومتمماته، فرغب في الشيء غير رغب إليه، أو رغب عنه، ومن هنا إذا اجتمع إلى الدقة التجسيد كان الفعل أقوى.
5. تخطى المدلولات التقليدية للألفاظ والتعابير، فالصحافة تستخدم بعض المقررات والعبارات النموذجية، التي تدل على معنى معين يتخطى ظاهر اللفظ مثل السوق السوداء، يناصره الشارع، توتر العلاقات القوة الضاربة، هذا بالإضافة إلى بعض الاشتقاقات الاسمية والتراكيب المستحدثة، التي كرستها ظروف طارئة، فتطور الأحداث والقضايا بسرعة، وبروز مشكلات جديدة لم تكن اللغة العادية مهيأة لها مثلما في لفظ التقويم.
ونضيف إليها مثل البلقنة، وهو يستخدم في مجال العلاقات السياسية ليشير إلى تصدير القوى العظمى التفتيت في مجال بعض القوميات، ونشر الحروب الداخلية، أو العولمة، أو نجلزة، وفرنسه... الخ.
6. الحيوية؛ أي الابتعاد عن الجمود والجفاف.
7. الأنسنة، أي دفع خبر ما أو قصة ما إلى مستوى من التعميم، بحيث يصبح كل من الخبر أو القصة قادر كل منهما على الالتقاء باهتمام الجمهور كله.
8. سلامة اللغة.
ويتفق مع ما تقدم ما أشار إليه فيليب جايار عندما أوضح أن التحرير الصحفي يعمل على تسهيل الفهم على القارئ وجذبه، وتحويله إلى شاهد مباشر للحدث، ولكن لا يوجد أسلوب تحرير واحد ومطلق وروتيني ورتيب، فنحن لا نكتب بالأسلوب نفسه تحقيقاً عن اكتشاف علمي وعرضاً لمباراة، ولا نكتب وقائع جلسة برلمانية بالأسلوب الذي نكتب فيه عن دور فعل مغامرات نجمة سينمائية عاطفية، وحتى في الموضوعات التي تعالج مواضيع متشابهة يترك مجال لكي يعبر عن شخصيته في أسلوبه، ويؤكد أيضًا عن البساطة والواقعية والحيوية، والابتعاد عن الحشو فالدقة والبساطة تعطي الأسلوب حيوية تساعد على جذب اهتمام القارئ، وعلى الصحفي أن يستخدم في كتابته دائمًا صيغة المتكلم من فعل المضارع، وأن يهتم بالمقدمة التي تحوي الاستشهادات والصور والمقارنات ، وهذه المبادئ وإن كانت واجبة المراعاة ، إلا أنه يجب عدم التطرف في تطبيقها ؛ لأن هذا يؤدي إلى نتائج عكسية وكل هذا الاهتمام بتعريف التحرير الصحفي جاء من منطلق الاعتراف بخصوصية هذا النشاط الجماهيري، فإذا كان مارشال ماكلوهان صاحب نظرية "الرسالة هي الوسيلة" من منطلق أن الوسيلة تفرض نظاماً معينًا على الرسالة، ومن هنا كانت الرسالة الصحفية لها كل هذا الاهتمام والخصوصية من المهتمين بهذا المجال.