يكاد ينعقد شبه إجماع فقهي (quasi-unanimite) حول الطبيعة الموضوعية للقضاء الضريبي. ونرى أن قوة ذيوع هذه الفكرة ترجع للفكر الوقاد للفقية (Trotobas) الذي لم ينفك عن هدم جميع الافكار والطروحات التي تبناها كل من الفقيهين (Duguit) و (Haurieu ) بشأن الطبيعة الشخصية للقضاء الضريبي، مشيداً بعد ذلك فكرته التي تخلع على هذا القضاء الطبيعة الموضوعية وقد استعرض هذا الفقيه الحجج والبراهين التي تثبت أن المكلف لا يكون في مركز شخصي فيما فرض عليه من ضرائب وانما في مركز موضوعي وابرز هذه الحجج هي:
الحجة الأولى: في رده على ما ابداه الفقيه (Duguit) من طرح بأن القضاء الضريبي ينظر في مسائل تثير حقوقا شخصية، يقول الفقيه (Trotobas) أن هذا القضاء يثير قبل كل شيء مسائل نابعة من حق موضوعي فمثلاً محكمة النقض (المختصة بنظر منازعات الضرائب غير المباشرة تقوم أولاً بالنظر في مخالفة القانون بمعنى مخالفة النص ومن ثم تقوم بالنظر في التفسير الخاطيء لذلك النص أي الخطأ في القانون واخيرا تقوم بالنظر في التطبيق الخاطىء لذلك النص أي الخطا في تطبيق الوقائع. (1)
الحجة الثانية: أن محكمة النقض اعلنت في الأحكام التي أصدرتها عام 1926-1927 أن ما تتخذه من قرارات مؤسس في مصلحة النظام والمحاسبة fandée dans un interet et comptabilité وهذا يعني أن القرار الذي يتخذه القاضي الضريبي لا يبتغي من ورائه تحقيق مصلحة المكلف أو الخصوم بقدر ما يبتغي تحقيق المصلحة العليا للنظام والمحاسبة أي المصلحة العامة. (2)
الحجة الثالثة: أن المركز الذي يشغله المكلف هو عام وغير شخصي ( general et impersonnelle) (3) ولهذا فأن القضاء الضريبي لا يكون هدفه تنظيم الحقوق الشخصية للمكلف كما يعتقد دائماً - وإنما تنظيم مركزه القانوني وتحديده ومراقبة أعمال السلطة الضريبية de mesurer son statut et de contrôler le pouvoir fiscal) وهذا الأمر متأت من أن القانون الضريبي هو جزء من القانون العام ويبتغي أساساً تنظيم امتيازات الإدارة الضريبية وشروط ممارستها ومن ثم فأن القضاء الضريبي يهدف أساساً إلى رقابة أوجه نشاط الإدارة الضريبية وليس الدفاع عن الحقوق الشخصية للمكلفين وأن أية مسألة تثار امامه يتولى القاضي البحث عما إذا كان القرار أو العمل الإداري المتعلق بفرض الضريبة جاء موافقاً للقانون الذي حدد مركز المكلف أم لا، أي انه يراقب مدى احترام السلطة الضريبية لهذا المركز (4).
الحجة الرابعة : على الرغم من صحة القول بأن الضريبة هي دين عام فأن هذا لا يعني أن الإدارة الضريبية تملك إزاء المكلف حقاً في هذا الدين مشابها لذلك الذي يتقرر في إطار القانون الخاص وانما هو يخضع لمركز قانوني أصيل نابع من القانون العام وعليه فأن كل نزاع يثور بين الإدارة الضريبية والمكلف هو نزاع يدور حول هذا المركز القانوني، وهذا يعني انه من الخطأ الركون إلى القواعد المقررة في القانون الخاص من أجل حله أو الفصل فيه (5) .
الحجة الخامسة : أن الطعن الضريبي المقدم من قبل المكلف هو موجه بالاصل ضد القرار الإداري وليس ضد الجهة الضريبية التي أصدرته ولهذا فأن هذه الأخيرة لا يمكن اعتبارها طرفاً بالمعنى التقليدي) في النزاع (6).
من كل ذلك استشف العميد (Trotobas) أن القضاء الضريبي يعمل على تحديد مركز المكلف من خلال مراقبة أعمال السلطة المالية وان هذا القضاء هو قضاء مبتكر وذو طابع خاص (originalite) اذ تجتمع فيه العناصر الشخصية والموضوعية لتصب في النهاية في صالح الأخيرة أي انه قضاء موضوعي، وهو ما ينسجم تماماً. مع استقلالية القانون الضريبي (l'autonomie du droit fiscal)(7).
ومن الفقهاء الآخرين الذين أخذوا بهذا الاتجاه الفقيهان Drago, Auby فهما اعتبرا أن القضاء الضريبي هو قضاء موضوعي على اعتباران دور القاضي يكمن في البحث عما إذا كان القانون الضريبي قد طبق بصورة صحيحة أم لا، وقد اعترضا كذلك على ما قاله (Duguit) بأن القضاء الضريبي قضاء شخصي مؤكدين في معرض اعتراضهما أن المكلف الذي يثير نزاعاً أمام القاضي الضريبي يطلب فيه الغاء الضريبة المفروضة عليه أو تخفيضها لا يستند في ذلك إلا إلى مخالفة القانون الموضوعي الذي يحدد وعاء الضريبة وسعرها وحتى عندما يستند إلى اعتبارات شخصية فأن ذلك سيكون دائماً وفقاً للقواعد التي ينص عليها القانون الموضوعي (8) .
وقد استدلا على رأيهما بما قرره مجلس الدولة الفرنسي من أحكام في هذا الصدد وهي. (9)
1. قرار مجلس الدولة الصادر في عام 1936 والذي قبل فيه التدخل في الدعاوى الضريبية من قبل الاتحادات النقابية ذات العلاقة بالنسبة لكل المكلفين الذين تمثلهم (10).
2. ان الاقرار المقدم من قبل المكلف لايكون نهائيا وانما بامكانه الطعن بالضريبة المقدرة عليه على أساس هذا الاقرار وهو ما بينه مجلس الدولة في قراره الصادر في 1960/12/25
3. كذلك اكد مجلس الدولة في قراره الصادر في 1937/2/22 ان القوانين الضريبية من النظام العام ومن ثم لا يمكن للادارة الضريبية والافراد مخالفتها بطريق اتفاقي Par voie conventionnelle
وقد ايد الفقيه (Waline) الطبيعة الموضوعية للقضاء الضريبي (11). وبنفس الاتجاه ذهب الفقيه (De laubadere البان القضاء الضريبي يندرج ضمن القضاء الموضوعي للمكلف (12) .عندما تختصم الدعوى صحة فرض الضريبة والمركز القانوني ومن الفقه العربي الذي شايع هذا الرأي الدكتور قدري نقولا عطية(13) والدكتور عبد المنعم عبد العظيم جيرة (14) .
نخلص من كل ذلك ان اصحاب هذا الاتجاه يقيمون تحديدهم لطبيعة قضاء الضريبة على اساس المركز القانوني الذي يحتله المكلف عند فرض الضريبة والذي هو مركز موضوعي أو عام ومن ثم يتخذون من ذلك حجة اساسية في اسباغ الطبيعة الموضوعية على ذلك القضاء.
__________
1- L.Trotobas, op.cit., p730.
2- L.Trotobas, op.cit., p726.
3- Trotobas, Précis de science et technique fiscales, op.cit., p369.
4- L. Trotobas, la nature juridique du contentieux fiscal en droit français, op. cit., p741.
5- L.Trotobas, op.cit., p742 ..
6- L.trotobas, précis de science et technique fiscales, op.cit., p342.
7- L.trotobas,la nature juridique du contentieux fiscal en droit francais, op. Cit., p714.
8 -J.M. Auby et R. Drago, op. Cit., po..
9- Ibid, p451.
10- وقد اعترض الفقيه (Bern) على الاستدلال بهذا القرار في هذا الشأن لأن الجمعية العامة في مجلس الدولة أعلنت رفضها تدخل الاتحادات النقابية في الدعاوى الضريبية لمجرد الادعاء بوجود مصلحة بسيطة دون التمسك بحق مؤكد يمكن أن يصيبه القرار القضائي بالضرر.
P.Bern, op.cit., p179.
11- M.Waline, Traité élémentaire de droit administratif, ' éd., Paris, Sirey,1950 P102.
12- A.De laubadere, Traité élémentaire de droit administratif, Paris, L.G.D.J., 14or, Prev.
13- د. قدري نقولا عطية ذاتية القانون الضريبي واهم تطبيقاتها، اسكندرية بلا دار نشر، 1960 ص 83.
14- د. عبد المنعم عبد العظيم جيرة، آثار حكم الالغاء طا ، بلا مكان نشر دار الفكر العربي، 1971، ص 60.