حضوره (عليه السلام) في الطف:
وقف الإمام السجاد عليّ بن الحسين (عليهما السلام) في معركة كربلاء وقفة خالدة إلى جنب أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) الذي ما فتئ يلهج لسانه بالشهادة، وأنّه سيقتل ومن معه، وأنّه مصمّم على الشهادة، وهذا مؤشّر على عدم معارضته للجهاد بالسيف. لا سيما أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد أذن لمن معه بالانصراف من ساحة المعركة في ليلة العاشر من المحرَّم بقوله: ((أمّا بعد؛ فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم اللّه عنّي جميعاً خيراً. ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإنّي قد رأيت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ، ليس عليكم منّي ذمام، هذا ليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً))(1).
وقد دلّت النصوص التاريخية المتواترة على أنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) اشترك في قتال من حضر لمحاربة الحسين (عليه السلام)، وجاهد حتّى جُرِحَ، وقد ذكرت في روايات كثيرة ما جاء في أقدم نص مأثور عن أهل البيت (عليه السلام) الذي جمعه الفُضَيل بن الزُبير، من أصحاب الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام) فقد ذكر ما نصّه: ((وكان علي بن الحسين عليلاً، وارتُثَ (2) يومئذٍ، وقد حَضَرَ بعض القتال، فدفع اللهُ عنه، وأخِذَ مع النساء)) (3)، ولا يخامرنا الشك في أنّه كان عليلًا مريضًا وليس عليه حرجُ.
وقال ابن سعد: ((كان علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ مع أبيه بطف كربلاء وعمره إذ ذاك ثلاث وعشرون سنة لكنّه كان مريضاً ملقى على فراشه، وقد انهكته العلة والمرض، ولمّا قتل والده [الحسين] قال الشمر بن ذي الجوشن: اقتلوا هذا الغلام، فقال بعض أصحابه: سبحان الله تقتل فتى مريضاً لم يقاتل؟ فتركوه)) (4).
وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) مع أبيه يومئذٍ، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكان مريضاً؛ فلما قتل الحسين، قال عمر بن سعد: "لا تعرضوا لهذا المريض" (5).
فلمّا أدخل علي على ابن زياد؛ فقال: "ما اسمك؟" فقلت: "علي بن حسين" فقال: "أولم يقتل الله عليّاً؟" قال: قلت: "كان لي أخ يقال له علي أكبر منّي، قتله الناس" قال: "بل! الله قتله" قلت: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] فأمر بقتله. فصاحت زينب بنت علي [عليهما السلام]: "يابن زياد! حسبك من دمائنا! أسألك بالله إن قتلته إلا قتلتني معه" فتركه (6).
وحمل إلى يزيد وَفِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَدْ جَعَلَ ابْنُ زِيَادٍ الْغُلَّ فِي يَدَيْهِ وَرَقَبَتِهِ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى الْأَقْتَابِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى بَلَغُوا الشَّامَ (7).
وفي هذه المدة ما تهنَّأ (عليه السلام) بعد قتل أبيه وذريته، وما جرى عليه بهنى منام، ولا لذيذ شراب وطعام، كان إذا وضع خادمه بين يديه الطعام، وقال له: كل سيدي يقول: آكل أم أشرب وقد قتل ابن رسول الله جائعاً عطشاناً.
لا يذبح الكبش حتَّى يرو من ظمأ *** ويقتل ابن رسول الله ظمآنا
"حدّث مولى له (عليه السلام): أنَّه برز يوماً إلى الصحراء قال: فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة، فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه، وأحصيت عليه ألف مرة وهو يقول: لا إله إلَّا الله حقّاً حقّاً، لا إله إلَّا الله تعبّداً ورقّاً، لا إله إلَّا الله إيماناً وتصديقاً وصدقاً، ثم رفع رأسه من سجوده وإنّ وجهه ولحيته قد غمرا بالدموع، فقلت له: يا سيدي ما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقل؟ فقال لي: ويحك، إنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيّاً وابن نبي له اثنا عشر ابناً، فغيّب الله واحداً منهم فشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغمّ، وذهب بصره من البكاء، وابنه حيّ في دار الدنيا، وأنا رأيت أبي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي" (8).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقعة الطف: 197؛ الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: 2 / 91.
(2) ارْتُثَّ فلان: ضُرِبَ في الحرب، فأُثْخِنَ وحُمِلَ وبه رَمَقٌ. المعجم الوسيط.
(3) معجم أنصار الحسين: 2 / 384.
(4) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة: 2 / 874.
(5) الطبقات الكبرى: 5 / 212.
(6) المصدر نفسه.
(7) الكامل في التاريخ: 3 / 187.
(8) الملهوف على قتلى الطفوف: 1 / 234.