(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
خلاصة التفسير كان الناس قبل بعثة النبي نوح عليه السلام يعيشون حياة بسيطة وكانوا أمة واحدة تشترك بأفكارها البسيطة وسلوكها المشترك وكانوا منسجمين في نظرتهم الى العالم مثلما كانوا متفقين في تمييزهم للحق عن الباطل أما اختلافاتهم البسيطة والجزئية فكانوا يعالجونها بما تشير عليهم عقولهم وما يهديهم اليه أنبياؤهم المبعوثون اليهم بعد النبي آدم عليه السلام.
ومع تطور العلم والصناعة وتشعب العلاقات الاجتماعية برزت الاختلافات العلمية في ساحة العلاقات الفردية والاجتماعية واستغلال الثروات الطبيعية وبدأت الاراء تتفاوت في تشخيص الحق عن الباطل والمصالح عن المفاسد.
وكان من نتائج هذا الامر ضرورة بعثة الرسل من أولي العزم ونزول الكتاب وكان من لطف الله سبحانه ونعمه في تلبية حاجة المجتمع البشري الماسة هذه أن بعث نبيه نوحا عليه السلام وباقي الانبياء من أولي العزم عليهم السلام من بعده وأنزل معهم الكتاب والشريعة كي يعلموا من خلال التبشير والإنذار من جهة ومن خلال تشكيل الحكومة من جهة اخرى على حل خلافات الناس الطبيعية تلك وإيقاظهم من سباتهم وكمونهم وإنعاش دفائن عقولهم.
ولما بعث الله رسله من أولي العزم عليهم السلام أنزل معهم الكتاب وكان الانسان الكامل وهو أفضل المخلوقات في هذه المعية هو الاصل والكتاب السماوي هو الفرع لأن الله بعث الكتاب مع الرسول وكان كتاب نبي الله نوح عليه السلام أو كتاب من كتب الانبياء المتضمنة للشرائع.
ولما كان كل ما في الكتب السماوية حق صراح خاليا من كل أنواع الخلاف والاختلاف صح أن يكون المرجع الوحيد على مدى العصور والأزمان لرفع الاختلافات بين بني البشر والميزان الوحيد لتقويم المذاهب الفكرية والميول البشرية المختلفة.
واقتران التبشير والإنذار مع التحكيم بين الناس في خلافاتهم يشير الى حقيقة أهمية اقتران العمل الثقافي بإقامة الحكومة الدينية إذ لا الاحكام الالهية يمكن تطبيقها وتنفيذها بصورة كاملة بمجرد التعليم والإرشاد فقط ولا نزاعات الناس وخلافاتهم يمكن التغلب عليها بمجرد الوعظ والتحكيم دون قوة تنفيذية بل الواجب هو اقامة الحكومة الالهية من قبل الرسل وأتباعهم المؤمنين كي يتم التغلب على تلك الخلافات وتطبيق الاحكام الالهية.
والاختلاف يكون مقبولا ومطلوبا اذا كان ناتجا عن التطور العلمي واتساع العلاقات الاجتماعية وفي سبيل الوصول الى الحق لانه يكون باعثا على اطراد التطور العلمي وممهدا للوحدة وهكذا كانت بعثة الانبياء عليهم السلام بيانا للحق والحكم في مثل هذه الاختلافات، الا أنه بعد اتضاح الحق في ظل بعثة الانبياء عليهم السلام ونزول الكتاب السماوي فالاختلاف حينئذ يكون من باب اللجاجة والطغيان والتشكيك في النصوص الدينية الواضحة التي هي ميزان الحق وخير وسيلة الى رفع الاختلافات ولن يكون إلا مذموما وسببا في عذابهم الدنيوي والاخروي.
وفي مقابل هؤلاء الظالمين المفرقين - الذين على رغم نور العقل في دواخلهم وشمس النقل الرصين المشرقة في محيطهم إلا أنهم لا يسلكون إلا طريق الضلال - يقف المؤمنون المخلصون مادين أذرعهم في استقبال الحق في كل الميادين ومتبعين ما يمليه الوحي عليهم في حل اختلافاتهم فينالون جائزة الرب المنان التي يخصهم بها والمتمثلة بهدايتهم الى الصراط المستقيم مكافأة لهم على إيمانهم ولا شك في أن الجهل العلمي والجهالة العملية كلما كانا أقل كان الاختلاف أقل أيضا وكلما كانا أكثر كان الاختلاف أشد وأعظم.
تفسير تناسب الايات: تبين الايات 208-214 من سورة البقرة سبل حفظ الوحدة مثلما تبين عوامل بروز الخلافات وذلك كي يتمكن المؤمنون من صيانة وحدة المجتمع الديني من خلال رعاية تلك السبل واجتناب عوامل التفرقة.
والآية التي هي مورد البحث تتضمن بيان نوعين من الاختلافات الاساسية التي تجابه جميع المجتمعات البشرية وهي: 1. الاختلاف الممدوح الذي يبرز نتيجة التطور العلمي والاتساع المعقول في العلاقات الاجتماعية وهو الذي يمهد لبعثة الانبياء عليهم السلام وبفصح عن ضرورة نزول الوحي ومسيس الحاجة اليه.
2. الاختلاف المذموم وهو الذي يبزر بعد نزول الوحي وتحقق ظهور الحق والصدق وذلك عندما يتبع البعض أهواء أنفسهم وغرائزهم العدوانية ويلقون المجتمع في براثن التفرقة من خلال تشكيكهم بالنصوص الدينية الواضحة والصريحة أو فهمهم المنحرف لتلك النصوص.