لما كانت بهارج الدنيا وزينتها قد صوّرتاها فتانة في أعين الكفار والمنافقين، وكانوا لا يفهمون من الحياة إلا هذه الحياة الدنيا، وكانوا يعدون أغنياء من الناحية المادية، توهموا أنهم أعظم وأفضل من المؤمنين الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً. ومن هنا صاروا يتمسخرون منهم بسبب افتقارهم إلى المال وما يجابهونه من المصاعب الناتجة من فقرهم، وهم بذلك يسعون إلى صرفهم عن دينهم وإيمانهم كي يتخلوا عن رسول الله ﷺ ويتركوه وحيداً. (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا).
هذا في حين أنّ الواقع هو أن هذا الطغيان والتكبر هو مجرد خيال باطل، تماماً كما كان آل فرعون يطنّون أنهم الأفضلون وأنهم هم المنتصرون: (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ[1]).
لكن ليعلم هؤلاء أنهم يوم القيامة - وهو يوم ظهور الحقائق ستتجلى لهم حقيقة حقارة الكفار وسموّ المتقين: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
وهنا يجب الالتفات إلى أن منشأ هذا الاستهزاء بالمؤمنين هو الأوهام الفارغة والخيالية في النظرة إلى الدين؛ لأنّ من كان فكره مادياً وكان من الناحية الوجودية لا يرى الموجودات إلا أنها مادية مساوية للمادة، ومن ناحية المعرفة لا يعرف طريقاً لاكتشاف الأسرار إلا طريق الحسّ والتجربة الحسية؛ فمن الأكيد أنه لا يرى الدين وما وراء الطبيعة وأمثال ذلك إلا خرافة وخدعة، وكل من يدعو إليها مخادع ومُبدع ولا يلقى منهم غير الاستهزاء والتمسخر.
وفي هذا المجال يقول القرآن الكريم: (...الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا[2])، (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا[3])، (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا[4]).
كما أنه عند تعبيره عن السخرية من الرسل عليهم السلام يقول: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ[5]).
ثم يعبر عن الاستهزاء بالمؤمنين قائلاً: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[6])، (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا[7]).
ولا فرق في هذه النقطة بين الملحد والمشرك وأهل الكتاب والمنافق، على الرغم من تفاوت دركات الاستهزاء ومراحل التمسخر، حيث إن مقصود القرآن الكريم هو جميع هذه الفرق.
ملاحظة: يشير وجود الفعل المضارع (وَيَسْخَرُونَ) في الآية التي ه البحث الذي هو علامة استمرارية مضمونه - إلى النهج المشئوم والسيرة التقليدية والمستمرة لتلك الجماعات الضالة المذكورة.
[1] سورة الأعراف الآية 127.
[2] سورة المائدة، الآية 57.
[3] سورة المائدة، الآية 58.
[4] سورة البقرة، الآية .231
[6] سورة التوبة، الآية 79
[7] سورة المؤمنون، الآية 110 .