أشار الله سبحانه في ردّه على تكبّر الكافرين في الدنيا واستهزائهم بالمؤمنين إلى أن المتقين بفضل إيمانهم وعملهم الصالح هم الذين لهم الأفضلية الحقيقية في القيامة: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
ويمكن بيان السر في التعالي الحقيقي للمتقين وتسافل الكافرين، وتجلّي ذلك في القيامة - لا في الدنيا - بطريقين:
1. إن المتقين لا يمكن أن تصير الحياة الدنيا جميلة في أعينهم، بل هم يرون الجمال الواقعي في التقوى وتحاشي الوقوع في أسر العناوين الدنيوية الاعتبارية، وهم في حدود طاقاتهم - يتشبهون بمولاهم أمير المؤمنين علي عليه السلام في طلاقهم الدنيا ثلاثاً، ذلك الطلاق الذي لا يمكن التراجع عنه، ولم يدنسوا أنفسهم بالكفر الاعتقادي والعملي بانخداعهم بجمال الحياة الدنيا.
ومن هنا يكون المتقون هم الأعلين الواقعيين في الدنيا أيضاً، إلا أن الدنيا هي دار السراب، والقيامة هي دار ظهور الحق. ومن هنا يتخيل الكافرون في الدنيا أنهم هم الأفضلون وأنّ لهم اليد العليا، ولكن عندما تقوم القيامة ويزول السراب وتظهر الحقيقة، حينئذ يلتفتون أن المتقين كانوا هم الأعلين منهم مثلما هم الآن أيضاً.
2. إن شدة حقارة الكافرين تقتضي أن يعتبر الله شأن المتقين ومكانتهم أسمى من أن تكون الدنيا مكاناً لمكافأتهم على تواضعهم ومعاقبة الكافرين على استعلائهم الخيالي؛ لأنّ تفوّق المؤمنين على الكافرين في الأمور الدنيوية لا يعد فضلاً، بل هو يعلم المؤمنين أن ينظروا إلى الدنيا على أنها مثل الزهرة والجنبذة التي لا يمكن أن تتحول إلى فاكهة أبداً: (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[1]) وأن يكون تعاملهم مع الجهلة المغرورين بالدنيا متسماً بكرم الأخلاق ونبلها: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا[2])، (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا[3])[4].
تنبيه: أ. جملة (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هي جملة إسمية، فتفيد الثبات والاستمرار.
ب. إن المقصود من كلمة (فوق) هو علوّ الدرجة والمنزلة والمقام، لا العلو المكاني، وإن كان تجلي الجنّة يكون في المكان المرتفع، ومحل النار هو المكان الوضيع. فالمراد هو سموّ منزلة العليين على السجين.
ج. كلمة (فوق) في مثل هذا الموارد تأتي بمعنى التعيين لا التفضيل.
[2] سورة الفرقان الآية 72
[3] سورة الفرقان الآية 63 .
[4] راجع: مواهب الرحمن، ج 3، ص 227