0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

تبيين الوحي للنظم الداخلية والفاعلية والغائية للأشياء

المؤلف:  الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

المصدر:  الإسلام والبيئة

الجزء والصفحة:  ص125ــ133

2026-07-21

47

+

-

20

إن الوحي السماوي هو كلام الله المحيط بجميع عالم الوجود إحاطة تامة والذي لا يصدر منه إلا واحد واسع شامل (لا واحد عددي) وإن عالم الخلق بأسره ليس إلا نظام حقيقي واحد ولذا فإن أراد الله الحديث عن شيء مـن منظومة عالم الخلق، يُبيّنه مترابطاً مع تركيبة عالم الإمكان وللأخير أيضاً صلة لا انفصام لها مع مبدأ الخلق بحيث يبدو جلياً بعد صلة ذلك الجزء بأول سبب موجد له فلا يحصر تعريف شيء بتاتاً بفرز دائرة نظامه الداخلي ولا يكتفي بشرح مادته وصورته ولا يقنع ببيان جنسه وفصله ولا يقتصر على توضيحه وعلى ذكر ماضیه وحاضره ومستقبله المادي ولا يعتبر الوقوف على سيره الأفقي وتطوراته المادية كافياً.

إهمال بعض العلوم التجريبية والإنسانية للنظام الفاعلي والغائي للأشياء

وبيان ذلك أن بعض العلوم الإنسانية والعلوم التجريبية نـاظرة إلى بيان الأدوار السالفة الموجود مادي وتحولاته الفعلية وتطوراته المستقبلية على خط الزمن والحركة والمادة وما شاكلها وهذا هو الاقتصار على التاريخ الأفقي للموجود المادي. وبعبارة أخرى تبحث في خصوص دائرة نظامه الداخلي؛ فعلى سبيل المثال تقوم في علم البيئة أو المعادن أو الطب أو الهندسة أو النجوم أو باقي فروع العلوم التجريبية وكذا بعض العلوم الإنسانية بشرح تحولات الموجودات الماضية والحالية والمستقبلية والبحث في نظامها الداخلي، ولكن لا تتحدث عن نظامها الفاعلي ونظامها الغائي أيضاً؛ فمثلاً فـي بيان كيفية ظهور المنجم في قلب الأرض أو نشوئه في وسط الجبل والمراحل التـي مرت عليه وتحولاته الفعلية وتطوراته المستقبلية، لا يقع الكلام في موجد هذا الموجود المادي وأن الموجد لو كان موجوداً لاحتاج إلى موجد آخر حتى تصل السلسلة إلى علة الإيجاد وهو مبدأ ((واجب الوجود)) الذي وجوده عين ذاته وهو غني محض ويقضي حاجة كل محتاج بالكامل.

والحاصل أنه لا يتم البحث في النظام الفاعلي لهذا الموجود كما لا يدور الكلام عن هدفه أيضاً وأن هذا الهدف لو كان بنفسه موجوداً هادفاً. حتى تنتهي السلسلة إلى غاية الأهداف وهو هدف ((واجب الوجود)) ذو الكمال المطلق الذي هو عين ذاته، لا يحتاج إلى كمال مفصول عن ذاته وذاته هي الهدف الأخير لجميع الموجودات الهادفة والمحصل أنه لا يدور الحديث فـي ((النظام الغائي)) لهذا الموجود.

فقد اكتفت فروع العلوم التجريبية وكذا بعض العلوم الإنسانية ببيان ((النظام الداخلي)) للأشياء ولم تخض البحث في ((النظام الفاعلي)) و ((النظام الغائي)) لها بل توكل هذه الأبحاث إلى الرؤية الكونية وتنظر إليها وتتعرض لها مبتورة عن المبدأ والمعاد. ومن الواضح أن مثل هذه الدراسة في تفسير موجودات العالم وإن تصدت لبيان نظامها الداخلي بيد أنها مقطوعة عن نظامها الفاعلي ومبتورة عن نظامها الغائي. وبعبارة أخرى يُمثل عنوان الخلقة هوية جميع الموجودات العينية فإن سلبنا هذا العنوان الخاص المقرون بالارتباط التكويني مع الخالق لما بقي أثر للإسلامية في المعلوم.

تأثير الغفلة عن النظام الفاعلي والغائي في البيان الناقص لأسرار العالم

التعرض للنظام الداخلي للموجودات وإهمال مبدأ هدفيتها ومقصدها إنمـا هو بيان ناقص وتفسير قاصر لأسرار العالم والحرمان من الكثير من الفوائد القيمة لمعرفة أسراره والوقوع في هاوية السيئات التي لا حصر لها ومصاديقها البارزة مشهودة في عالم العقل بلا وحي والعلم بلا عقل، بيد أن الوحي الإلهي في تبيان موجودات العالم يعتبر كل واحد منها ((آية)) وعلامة لمبدأ العالم وفي ضمن توجيهها وتفسير مراحلها الماضية وتحولاتها المستقبلية وتوضيح سيرها الأفقي، يتعرض لتبيين نظامها الفاعلي والمبدأ الأول لها وكذا لشرح نظامها الغائي والهدف الأخير لها وهو ربّ العالم ويذكر سيرها العمودي إلى جانب بيان سيرها الأفقي معتبراً وجود ارتباط بين هذين النظامين الفاعلي والغائي اللذان يمثلان الجناحين القويين لجسم النظام الداخلي للعلوم التجريبية وبعض العلوم الإنسانية ويهب لها قوة الطيران ويسوقها من الجمود والركود إلى الحركة والنشاط ويجعل الميدان الواسع للرؤية الكونية الإلهية نصب عينيها ويدلها بشكل جلي على مسير الطيران ويحثّها على ذلك.

وعلى سبيل المثال فإن هذه الآية القرآنية تشير في جملة مختصرة إلى هذه النظم الثلاثة: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]؛ أي أن ربنا أعطى كل شيء نظامه الداخلي وزوده بمستلزمات كماله ثم هداه ودله على هـدفه الحقيقي.

تكامل الوحي في ضوء بيانه للنظام الفاعلي والغائي

لقد طرح هذا الأمر بشكل جلي في جميع القرآن الكريم حول موجودات العالم؛ فإنه يتعرض في تفسير أي موجود من الموجودات السماوية أو الأرضية و من الموجودات الحية أو التي لا نفس فيها و من النباتات و الحيوانات و البشر و ما شاكلها خلال شرح نظامها الداخلي إلى توضيح نظامها الفاعلي و تبيين نظامها الغائي و بالتالي يضع هذين الجناحين القويين للرقي نحو التعالي في بدن النظام الداخلي لجميع فروع الدارسة والبحث في شأن الموجودات ويُحييها ويسوقها إلى الطيران ويُبدل العلم إلى العقل والمعرفة إلى البصيرة ويوصل الفكر إلى الشهود ويُطبّق معطيات العقل النظري بالتنسيق مع العقل العملي وينقل المفاهيم الذهنية إلى أعيان خارجية وزبدة الكلام أنه يجعل الإنسان ((المتخصص)) ((متشرعاً)) و ((المحقق العلمي)) ((متحققاً عملياً)) و ((المنظر)) ((متعبداً)) و ((المبدع الفني)) ((ملتزماً دينياً)) و ((المخترع الصناعي)) ((متديناً)) وبالتالي يُثير الفكر الخام حتى ينضج. وفيما يلي نشير على سبيل المثال إلى بعض موارد ازدهار العلوم في ضوء الوحي الإلهي.

المورد الأول

تبيين النظام الداخلي والفاعلي والغائي للسماوات والكواكب في القرآن يقول الله في تبيين نشوء السماوات وكيفية استوائها بغير أعمدة مرئية وجريان الكواكب والنظم والنسق الخاص للشمس والقمر: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]. فتعرض فـي هـذه الآيــة ضمن بيان النظام الداخلي للسماوات والكواكب إلى نظامها الفاعلي ونظامها الغائي كذلك؛ أي أنه عنى بمسألة التوحيد وبمسألة المعاد أيضاً.

المورد الثاني

تبيين النظام الداخلي للأرض والإشارة إلى نظامها الفاعلي والغائي في القرآن

يقول الله في بيان امتداد الأرض وإرساء الجبال التي سببت كالأوتاد استقرارها وكيفية تربية الثمرات والأشجار في المزارع المتنوعة واستقائها بأسرها من ماء واحد وغرسها بأجمعها في أرض واحدة: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد: 3 - 5].

فعمدت هاتين الآيتين ضمن توضيح النظام الداخلي للأرض الواسعة والجبال الراسية والأنهار الجارية ومسائل الزراعة وغيرها إلى بيان نظامها الفاعلي ونظامها الغائي كذلك؛ أي أنهما تعرضا للتوحيد وللمعاد أيضاً، ولكن هناك اختلاف بين طريقة بيان النظام الفاعلي في هاتين الآيتين حيث أشير في الآية الأولى من الوحدة إلى الكثرة، أي أن الله الواحد هو الذي مد الأرض وجعل فيها جبالاً رواسي وأنهاراً جارية و... ولكن تمت الإشارة في الآية الثانية من الكثرة إلى الوحدة، أي أن السير ثانية للأرض الواحدة ذات القطع المتجاورة وفي كل قطعة مزارع وثمار خاصة مع أن قطع أرض تلك المزارع متشابهة وتسقى كلها بماء واحد، يهدي الإنسان العاقل إلى المبدأ الواحد. ثم تبين مسألة المعاد والخلق بعد الموت من جديد فالحاصل أن عنوان الخلق مقوم لهوية الأرض وما شابهها ولا يمكن معرفة شيء من دون معرفة مقومه بتاتاً ولا يتأتى معرفة الخلق من دون معرفة الخالق وإن عمل الخالق الحكيم هادف لا محالة.

المورد الثالث

بيان النظام الداخلي لخلق وتربية الأنعام والإشارة إلى نظامها الفاعلي والغائي. يقول الله في بيان خلق الأنعام وكيفية تربية الحيوانات والاستفادة من قطعان الأنعام وجمالها حين الذهاب إلى المرعى والعودة منها وما يتعلق بالحيوانات الأهلية ومسائل أخرى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 5، 8].

فقد تعرضت هذه الآيات خلال بيان النظام الداخلي لخلق وتربية الأنعام (على أساس إلقاء الأصول وتفريع فروعها) إلى نظامها الفاعلي وهو التوحيد. وفي نهاية هذا البحث أشارت إلى نظامها الغائي أيضاً حيث قالت: {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 22]؛ أي لابد من الاهتمام بالنظام الفاعلي والإيمان بالنظام الغائي كذلك.

المورد الرابع

بيان النظام الداخلي لظهور الغيوم ونزول المطر والإشارة إلى نظامها الفاعلي والغائي.

يقول الله في بيان ظهور الغيوم والتأليف بينها وجعلها ركاماً ونزول المطر من بينها وتكوين الغيوم المتلبّدة في الفضاء كالجبال السماوية ينزل منها البرد وكيفية توزيعه وطريقة إضاءة البرق وسائر المسائل المختصة بتنظيم الليل والنهار وبيان خلق الحيوانات المختلفة: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النور: 43 - 46].

فأشارت هذه الآيات ضمن بيان تأليف الغيوم والمطر والبرد والبرق و... إلى النظام الفاعلي بأن الله القادر على الإطلاق هو الذي خلقها وأنشأنها وأدارها وإلى نظامها الغائي معتبرة بأنها كلها آيات الله ومتعرضة للهداية إلى الصراط المستقيم الذي ينتهي إلى الهدف والمعاد؛ أي أنها تعرضت بعد تعليم النظام الداخلي للظواهر الجوية وما شاكلها إلى النظام الداخلي ونهاية سلسلة الخلق في طول العلل وهو رب العالمين وإلى النظام الغـائي أيضاً ونهـاية سلسلة الأهداف والغايات عبر الصراط المستقيم وهو الهدف الذاتي والغاية النهائية؛ لأن الصراط المستقيم هو الذي ينتهي إلى هدف حقيقي.

والملخص أن القرآن الكريم في تبيان الموجودات المادية والمجردة الأرضية والسماوية، والبحرية والبرية وذوات الأرواح والتي لا نفس لها والجوية وغير الجوية و... يبين أولاً نظامها الداخلي بشكل مختصر مفيد، ثم يتعرض لنظامها الفاعلي ونظامها الغائي أيضاً، بل يتمحور الشطر الأوفى من البحث في بيان التوحيد والمعاد ومبدئها ومنتهاها في السير العمودي ولا يعتبر مطالعة متن النظام الداخلي للأشياء من دون التوجه إلى هذين النظامين كافياً بتاتاً. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد