ينتمي حدث نزول الوحي والبحث فيما إذا كان ذلك دفعيا وتدريجيا ومعظم المسائل المتعلقة بالنزول ينتمي الى فن العلوم القرآنية وهو فن مستقل عن فن تفسير المعاني كما هو معروف وقد دأب المفسرون السابقون (باستثناء القليل منهم) على طرح فن العلوم القرآنية ضمن إطار المسائل التفسيرية كما فعل مثلا الكثير من الفقهاء عندما أدرجوا الموضوعات الاصولية وهو فن مستقل بذاته في قائمة المسائل الفقهية رغم تأليف البعض منهم كتبا مستقلة في هذا المجال قد حان لطرحها بشكل علم أو فن مستقل على غرار ما حدث لعلم الأصول عندما تم فصله عن علم الفقه.
وبالعودة الى الآية المفسرة والمقصود بنزول القرآن في شهر رمضان المبارك في الاية الشريفة: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وكيفية نزوله فهناك وجوه عديدة وأقوال متعددة وبعد نقل تلك الوجوه ونقدها سنقوم بالاشارة الى موضوع خاص بهذه المسألة.
فأما الوجوه المطعونة والأقوال التي لم تنج من النقد فيهي كالتالي: 1. القول بأن المقصود بنزول القرآن في شهر رمضان المبارك هو نزوله بالجملة وواضح أن مثل هذا الاحتمال لا يتطابق لا مع التأريخ الإسلامي المعروف ولا مع الشواهد القرآنية إطلاقا.
2. الرأي القائل بأن المقصود بذلك هو نزول بعض القرآن وعلى أساس هذا الاحتمال علق العلامة الطباطبائي قدس سره على هذه المسألة مبينا المراد من نزول القرآن في شهر رمضان بقوله: لا ريب أن بعثة النبي ﷺ كان مقارنا لنزول أو ما أنزل من القرآن ولا ريب أن هذه الواقعة إنما وقعت بالليل لقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ[1]) ولا ريب أن (تلك) الليلة كانت من ليالي شهر رمضان وجملة القرآن وإن لم تنزل في تلك الليلة لكن لما نزلت سورة الحمد فيها وهي تشتمل على جمل معارف القرآن فكان كأن القرآن نزل فيها جميعا فصح أن يقال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ).
وأن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ[2]) نزل ليلة الخامس والعشرين من شهر رمضان نزول والنبي ﷺ قاصد دار خديجة في وسط الوادي يشاهد جبرئيل فأوحى اليه قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ...) ولما تلقى الوحي خطر بباله أن يسأله كيف يذكر اسم ربه فتراءى له وعلمه بقوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الى آخر سورة الحمد ثم علمه كيفية الصلاة ثم غاب عن نظره. فصحا النبي ﷺ ولم يجد مما كان يشاهده أثرا إلا ما كان عليه من التعب الذي عرضه من ضغطة جبرائيل حين الوحي فأخذ في طريقه وهو لا يعلم أنه رسول من الله الى الناس مأمور بهدايتهم ثم لما دخل البيت نام ليلته من شدة التعب فعاد اليه ملك الوحي صبيحة تلك الليلة وأوحى اليه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ[3]).
وأما ما يوجد في بعض كتب الشيعة من أن البعثة كانت يوم السابع والعشرين من شهر رجب فهذه الاخبار على كونها لا توجد إلا في بعض كتب الشيعة التي لا يسبق تاريخ تأليفا أوائل القرن الرابع من الهجرة مخالفة للكتاب كما عرفت. قال: وهناك روايات أخرى في تأييد هذه الاخبار تدل على أن معنى نزول القرآن في شهر رمضان أنه نزل فيه قبل بعثة النبي ﷺ من اللوح المحفوظ الى البيت المعمور وأملاه جبرئيل هناك على الملائكة حتى ينزل بعد البعثة على رسول الله ﷺ وهذه أوهام خرافية دست في الاخبار مردودة أولا: بمخالفة الكتاب وثانيا: إن مراد القرآن باللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة وبالبيت المعمور هوكرة الارض لعمرانه بسكون الانسان فيه[4].
وأضاف الاستاذ العلامة الطباطبائي بعد نقله للكلام أعلاه قائلا ولست أدري أي جملة من جمل كلامه على فساده بتمام أجزائه تقبل الاصلاح حتى تنطبق على الحق يوجه ؟ فقد اتسع الخرق على الراتق ويمكن ذكر رد العلامة ملخصا كالاتي: أ. قال الله تعالى في اللوح المحفوظ: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ[5])، وقوله: إن اللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة تفسير شنيع وإنه أضحوكة وليت شعري ما هو الوجه المصحح على قوله لتسمية عالم الطبيعة في كلامه تعالى لوحا محفوظا ؟ ذلك لكون هذا العالم محفوظا عن التغير والتحول؟. فهو عالم الحركات سيال الذات متغير الصفات أولكونه محفوظا عن الفساد تكوينا أو تشريعا؟ يقول الله سبحانه: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ[6]) وتشير هذه الاية الى ما نعرفه من تقسيم حيث (الموجود إما باق أو فإن) أو (الوجود إما مادي أو مجرد) أو( الموجود إما متحرك أو ثابت) ورغم أن الكلام المذكور قد قيل بلسان الوحي وليس بالمصطلح الفلسفي أو الكلامي إلا أن المقصود هو بيان هذا التقسيم أي أن ما لديكم مصيره الزوال وأما مالدى الله فهو مصان من الزوال إذا فتوجد نشأتان في عالم الوجود المتغير والمحفوظ فالله سبحانه ومادليه مصان من كل تغيير أو زوال أو موت أو فناء وكل شيء فإن ومحكوم بالزوال إلا هو سبحانه وأسماؤه الحسنى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ[7])، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ[8]). إذا كان عالم الطبيعة هو اللوح المحفوظ فلا بد أن يكون مصانا ومحفوظا من الزوال والفناء والحال أننا نراه في تغير واختلاف مستمرين ولو كان البيت المعمور هو الكرة الأرضية فينبغي أن يكون معمورا على الدوام لا أن يكون قسما منه فقط مسكونا وحتى هذا القسم كذلك محكوم بقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ...[9]) و(إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا...[10]) و(إِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ...[11])
ب. وأما قوله: إن تأريخ كتابة الحديث عند الشيعة لا يتعدى القرن الرابع فهو غير صائب لأن التأريخ نفسه يشهد ويقول: إن الاخرين لم يوفقوا الى جمع الحديث في القرنين الاول والثاني بل وكانوا يمنعون ذلك أيضا[12]، بينما شاع تدوين الحديث وكتابته على يد الشيعة لأنهم كانوا يؤيدون ويشجعون كل من يقوم بجمع الحديث وضبطه وتدوينه[13].
ج. التقول العجيب الذي تقوله في البعثة ونزول القرآن أول ما نزل وأنه صلى عليه وآله وسلم نزل عليه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، وهو في الطريق ثم نزلت عليه سورة الحمد... كل ذلك تقول لا دليل عليه لا آية محكمة ولا سنة قائمة وإنما هي قصة تخيلية لا توافق الكتاب ولا النقل نعم هنالك شواهد على النزول الابتدائي لهاتين السورتين لكن تعيين ذلك يتطلب تأريخا واضحا أو حديثا معتبرا وأحاديث أهل السنة موضوعة بعد الاحاديث اتي ضبطها وجمعها الشيعة.
د. سلم القائل بأن هناك تقارنا زمانيا بين البعثة النبوية ونزول القرآن والأمر بالتبليغ وأن النبوة بدأت مع نزول القرآن وأصبح الرسول ﷺ نبيا في ليلة واحد من غير أن يصبح رسولا بعد وتسلم الرسالة مع بزوغ صباح تلك الليلة مع نزول سورة المدثر.
لكن لا يمكننا إثبات هذا الكلام من أخبار أهل السنة لأنهم يدعون أن كتابة الروايات الشيعية كان بعد وقوع الأحداث ويلزم ذلك عدم امكانية الاستناد الى أي مصدر روائي باعتبار أن كتابة الروايات من قبل الشيعة والسنة احتمال كبير في حدوث التزييف والوضع حتى في المصادر السنية.
وفي الوقت نفسه لا يمكن الاتيان من القرآن بما يؤكد هذا الادعاء بل للقرآن رأي آخر مخالف لهذا القول على سبيل المثال فإن سورة العلق وخاصة الايات الخمس الأولى منها هي أول ما نزل من القرآن الكريم بشاهدة التأريخ مما يدل بوضوح على أن النبي ﷺ كان يقيم الصلاة وكان البعض ينهاه وينمعه من أدائها حتى أصبح الناس يتناقلون ويتحدثون عن ذلك.... إذ فقد كان الرسول ﷺ يصلي حتى قبل نزول سورة العلق وسورة الحمد وقبل الامر بالتبليغ كذلك: (أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ[14])، وما ذاك إلا من آثار النبوة التي طرأت على الرسول الأعظم ﷺ قبل نزول القرآن عليه[15].
وملخص الجواب على من ادعى بأن المقصود من نزول القرآن في شهر رمضان المبارك هو نزول جزء منه هو أنه لا يليق الحديث عن مثل هذا الكلام إذ إن بعض الايات والسور القرآنية كانت قد نزلت أيضا في أشهر وأيام أخرى وعليه فلا داعي الى ذكر شهر رمضان بالذات.
3. إن المقصود هو أول نزول للقرآن الكريم كان في شهر رمضان[16] باعتبار أن نزول القرآن استمر على فترات طويلة لكنه أرخ بنزوله أول الامر في ذلك التأريخ إذا يمكن القول بأن نزول القرآن كان في شهر رمضان لأن بداية نزوله كانت فيه.
وفي هذا الكلام بعض الاشكالات أيضا منها: أ. إن ظاهر الاية الشريفة يشير الى أن كل القرآن الكريم نزل في شهر رمضان وليس أول مانزل منه كان فيه.
ب. قد يكون هذا الرأي موافقا لأولئك الذين يعتقدون بأن بعثة الرسول الأعظم ﷺ كانت في شهر رمضان وأنه ﷺ كان آنذاك في غار حراء صائما وأن بعثته استنادا لذلك كانت في السابع عشر من شهر رمضان[17]، لكن ذلك لا يوافق وجهة نظر الباحثين الشيعة من حيث أنهم يعتبرون السابع والعشرين من شهر رجب هو يوم بعثة الرسول ﷺ ويفصل ما بين يوم البعثة الى شهر رمضان أكثر من شهر فضلا عن أن البعثة لا تتحقق من دون الوحي ونزول القرآن بل لا بد أن أول سورة العلق وجزءا من سورة المزمل وسورة المدثر قد نزل في أول بعثة النبي ﷺ يضاف إلى ذلك أن القران الكريم يصف بعثة الرسول الأكرم ﷺ بالمنة الكبيرة والنعمة العظيمة[18] كما في قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ[19])، في حين أن القرآن الكريم لم يشر الى نزوله بهذا الوصف وعلى هذا إذا كانت البعثة نعمة كبيرة ونزل فيها بعض آيات القرآن الكريم كان من المناسب أو يقارن نزول القرآن الكريم بشهر رجب الذي بعث فيه النبي ﷺ وتأريخه به بدلا من شهر رمضان ويشبه هذا القول رأي البعض ممن يحتملون بأن المقصود من نزول القرآن في شهر رمضان هو نزول بعضه والجزء الاول منه[20] إلا أن هذا الرأي كذلك لا يخلو من الاشكالات الواردة على القول الاول.
4. أن يكون المقصود بالنزول في هذه الاية هو خصوص النزول الدفعي التفصيلي لكن لا يمكن احتمال مثل هذا النزول التفصيلي لأن الكثير من الشواهد القرآنية والتأريخية والروائية تؤكد على نزول القرآن تدريجيا مبسوطا ومفصلا ومن الطبعي ألا ينزل أي كتاب يضم مجموعة من القوانين والأحكام الخاصة بكل واقعة وحدث نزولا دفعي كما هي الحال مثلا مع ألواح سيدنا موسى عليه السلام التي اقتصرت على المواعظ والإرشادات والمعارف.
فالقول بنزول القرآن دفعة واحدة وبالتفصيل لا يتناسب مع التأريخ لأن من الامور المسلمة التي سجلها التأريخ هي أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسألونه أحيانا عن بعض المسائل فتنزل آية معينة تبين تفاصيل وأحكام تلك المسألة وكان رسول الله ﷺ يجيب أحيانا على السائلين بقوله: علينا أن ننتظر ما يأمر به الوحي[21]! وكان بعض الآيات ينزل بعد وقوع حادثة ما مثلها حدث مع المصلين مع رسول الله ﷺ في يوم الجمعة عندما سمعوا أصوات الطبول إيذانا بوصول القوافل التجارية من الشام الى المدينة فتركوا رسول الله ﷺ وهو يخطب خطبة الجمعة على المنبر وهرعوا نحو تلك القوافل: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا[22]).
والى جانب الاشكال المذكور على الاحتمال الاخير فقد بينا أن هناك الكثير من الايات القرآنية تؤيد نزول القرآن الكريم نزولا تدريجيا مفصلا.
[4] راجع: تفسير الميزان: 2/ 20
[12] راجع: علم الحديث ودراية الحديث: 26 .
[13] وفقاً لمصادر الشيعة وبعض المصادر لدى العامة فإنّ أوّل كتاب وضع في الحديث كــان عـن عـلي بن أبي طالب عليه السلام وبإملاء من النبي الأعظم ﷺ نفسه. وقد كان الكتاب المذكور مودوعاً لدى الإمام الباقر عليه السلام الذي أراء بدوره للحكم بن عتيبة. ثُمّ كتاب السنن والأحكام والقضاء لأبي رافع - مولى رسول الله ﷺ - ومسؤول بيت المال في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد عده الشيخ النجاشي من متقدّمي الشيعة مُستنداً في مؤلّفاته إلى الكتاب المذكور، وهو أول مـن بــوب الأخبار. راجع: علم الحديث ودراية الحديث: 67 - 68، نقلاً عن تأسيس الشيعة: 279؛ رجال النجاشي: 5.
[15] تفسير الميزان: 2 / 20 - 23، بتصرف.
[16] راجع تفسير منهج الصادقين: 1 / 480؛ روح المعاني: 2 / 92؛ تفسير المنار: 2 / 161، وتفاسير كثيرة أخرى قديمة وحديثة. قال الآلوستي في روح المعاني: «أي إبتدئ فيه إنزالــه وكــان ذلك ليلة القدر، قاله ابن إسحاق». وقال صاحب تفسير المنار: «وَأَمَّا مَعْنَى إِنْزَالَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ - مَعَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ بِالْيَقِينِ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمَا مُتَفَرِّقًا فِي مُدَّةِ الْبِعْثَةِ كُلَّهَا - فَهُوَ أَنَّ ابْتِدَاءَ نُزُولِهِ كَانَ فِي رَمَضَانَ، وَذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ مِنْهُ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ».
[17] راجع: تفسير التحرير والتنوير: 2 / 168. قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: واختير شهر رمضان من بين الأشهر؛ لأنه قد شرف بنزول القرآن فيه، فإنّ نزول القرآن لما كان لقصد تنزيــه الأمة وهداها ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقعـاً فـيـه والأغلب على ظني أن النبي الله كان يصوم أيام تحنثه في غار حراء قبل أن يُنزل عليه الوحي إلهاماً من الله تعالى.
[18] راجع مفردات القرآن للراغب الإصفهاني: 777، مادة «منن».
[20] راجع: تفسير الميزان: 20 / 330.
[21] راجع مجمع البيان: 1 - 2 / 508 و 547 ؛ و 3 - 4 / 181 و 229؛ و 6 / 697 ؛ أسباب النزول: 148 و 151. قال الواحدي في أسباب النزول: قال المفسرون: إن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يُقال لها: أمّ حُجّة وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصيّاه، يُقال لهما: سُوَيْد وعَرْفَجَة، فأخذا ماله ولم يُعطيا امرأته ولا بناته شيئاً. وكانوا في الجاهلية لا يُورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار، وكانوا يقولون: لا يُعطى إلا من قاتل على ظهر الخيل وحاز الغنيمة. فجاءت أم حُجَّة إلى رسول الله ﷺ لهم ، فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك على بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سُوَيد وعَرْفَجَة، لم يعطياني ولا بناتــه مــن المال شيئاً، وهن في حجري، ولا يطعماني ولا يُسقياني ولا يرفعان لهـن رأساً. فدعاهما رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلا ولا يُنكي عدواً، فقال رسول الله ﷺ (إنصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن. فانصر فوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا).
[22] الجمعة: 11 مجمع البيان: 9-10 / 433