العقوبات التبعية المترتبة على الحكم في جريمة القتل العمد
المؤلف:
محمد حسن صلاح مهدي الجواهر
المصدر:
جريمة القتل العمد والظروف المشددة فيها
الجزء والصفحة:
ص 147-150
2026-06-22
90
لا تقف الآثار الجزائية للحكم في جريمة القتل العمد عند العقوبة الأصلية التي تنتهي إليها المحكمة، سواء أكانت إعداماً أم سجناً مؤبداً أو مؤقتاً، لأن الحكم قد يستتبع بحكم القانون، آثاراً جزائية أخرى تمس المركز القانوني للمحكوم عليه. وهذه الآثار لا تبحث هنا بوصفها نظرية عامة في العقوبات، وإنما بقدر اتصالها المباشر بالحكم الصادر في جريمة القتل العمد؛ إذ إن جزاء هذه الجريمة لا ينحصر في العقوبات الأصلية، بل يمتد إلى ما يتفرع عنها من عقوبات تبعية وتكميلية، كل في نطاقه القانوني. وقد وضعت المادة (95) من قانون العقوبات العراقي معيار العقوبة التبعية بنصها على أن " العقوبات التبعية هي التي تلحق المحكوم عليه بحكم القانون دون الحاجة إلى النص عليها في الحكم". ومقتضى ذلك أن الأثر التبعي في جريمة القتل العمد لا يستمد وجوده من منطوق المحكمة، بل من الحكم بالعقوبة الأصلية التي رتب عليها القانون ذلك الأثر؛ فإذا صدر الحكم بالإعدام أو بالسجن المؤبد أو المؤقت، فإن ما يلحقه من آثار تبعية إنما يلحق بقوة النص، لا بإرادة القاضي. وهذا هو الفارق الجوهري بين العقوبة التبعية والعقوبة التكميلية؛ فالأولى تلحق الحكم بحكم القانون، أما الثانية فلا تلحق إلا عند الحكم بها في الحدود التي يجيزها النص (1) .
ويظهر الأثر التبعي للحكم بالسجن المؤبد أو المؤقت في جريمة القتل العمد أولاً في الحرمان من بعض الحقوق والمزايا. فقد نصت المادة (96) من قانون العقوبات العراقي على أن " الحكم بالسجن المؤبد او المؤقت يستتبعه بحكم القانون من يوم صدوره وحتى إخلاء سبيل المحكوم عليه من السجن حرمانه من الحقوق والمزايا التالية : 1 - الوظائف والخدمات التي كان يتولاها .2- أن يكون ناخباً أو منتخباً في المجالس التمثيلية. 3- أن يكون عضوا في المجالس الإدارية او البلدية او احدى الشركات او كان مديراً لها. 4- أن يكون وصياً او قيماً او وكيلاً -5- أن يكون مالكاً او ناشراً او رئيساً لتحرير احدى الصحف". وبهذا لا يكون السجن، متى صدر في جريمة القتل العمد أثراً سالباً للحرية وحدها، بل يستتبع من يوم صدور الحكم وحتى إخلاء سبيل المحكوم عليه، إخراجه من مراكز قانونية معينة قدر المشرع عدم ملاءمة بقائها له خلال هذه المرحلة. ويمتد الأثر التبعي للحكم بالسجن المؤبد أو المؤقت في جريمة القتل العمد إلى إدارة أموال المحكوم عليه والتصرف فيها. فقد نصت المادة (97) من قانون العقوبات العراقي على " الحكم بالسجن المؤبد او المؤقت يستتبعه بحكم القانون من يوم صدوره إلى تاريخ انتهاء تنفيذ العقوبة او انقضائها لأي سبب آخر حرمان المحكوم عليه من إدارة أمواله او التصرف فيها بغير الإيصاء والوقف إلا بإذن من محكمة الأحوال الشخصية او محكمة المواد الشخصية، حسب الأحوال التي يقع ضمن منطقتها محل إقامته". ومحل ذلك في حكم القتل العمد أن المحكوم عليه لا يفقد ملكية ،أمواله، لكنه يفقد سلطة الإدارة والتصرف إلا في الحدود التي أبقاها النص، وبإذن المحكمة المختصة، إلى حين انتهاء تنفيذ العقوبة أو انقضائها. أما إذا صدر الحكم بالإعدام في جريمة القتل العمد المشدد، فإن الأثر التبعي يتناسب مع طبيعة العقوبة الأصلية ومرحلة ما بين صدور الحكم وتنفيذه. فقد نصت المادة (98) من قانون العقوبات على "كل حكم صادر بعقوبة الإعدام يستتبعه بحكم القانون من يوم صدوره إلى وقت تنفيذ الحكم حرمان المحكوم عليه من الحقوق والمزايا المنصوص عليها في المادتين السابقتين وبطلان كل عمل من أعمال التصرف او الإدارة، يصدر منه خلال الفترة المذكورة عدا الوصية ،والوقف وتعين محكمة الأحوال الشخصية او محكمة المواد الشخصية - حسب الأحوال – على المحكوم عليه قيماً بناء على طلب الإدعاء العام او كل ذي مصلحة ". وبذلك لا تترك الفترة السابقة على تنفيذ الإعدام بلا أثر قانوني ؛ إذ يلحق المحكوم عليه الحرمان من الحقوق والمزايا، وتبطل أعمال الإدارة والتصرف الصادرة منه، عدا الوصية والوقف مع إمكان تعيين قيم عليه وفق ما رسمه النص (2) .
وتأخذ مراقبة الشرطة موضعاً خاصاً بين العقوبات التبعية المتصلة بجريمة القتل العمد؛ لأن المشرع لم يجعلها لاحقة بكل قتل عمد، وإنما ربطها صراحةً بالقتل العمد المقترن بظرف مشدد إذا انتهى الحكم فيه إلى السجن. فقد نصت المادة (99/أ) من قانون العقوبات على أن " من حكم عليه بالسجن لجناية ماسة بأمن الدولة الخارجي او الداخلي او تزييف نقود او تزويرها او تقليدها او تزوير طوابع او سندات مالية حكومية او محررات رسمية او عن رشوة او اختلاس او سرقة او قتل عمدي مقترن بظرف مشدد يوضع بحكم القانون بعد انقضاء مدة عقوبته تحت مراقبة الشرطة وفق أحكام المادة 108 من هذا القانون مدة مساوية لمدة العقوبة على أن لا تزيد على خمس سنوات. ومع ذلك يجوز للمحكمة في حكمها أن تخفف مدة المراقبة او أن تأمر بإعفاء المحكوم عليه منها او أن تخفف من قيودها ". فالمراقبة هنا لا تلحق القتل العمد المجرد، وإنما تلحق القتل العمد المشدد متى كان الحكم بالسجن، وتبدأ بعد انقضاء مدة العقوبة، لا أثناء تنفيذها. وتتحدد طبيعة مراقبة الشرطة بأنها عقوبة مقيدة للحرية تنفذ خارج السجون، لا عقوبة سالبة للحرية. فقد نصت المادة (108) من قانون العقوبات على " مراقبة الشرطة هي مراقبة سلوك المحكوم عليه بعد خروجه من السجن للتثبت من صلاح حاله او استقامة سيرته " ، ثم رتبت على ذلك قيوداً يقررها الحكم في حدود القانون، كعدم الإقامة في مكان معين واتخاذ محل إقامة وعدم تغييره إلا بموافقة المحكمة، وعدم مبارحة المسكن ليلاً إلا بإذن الشرطة، وعدم ارتياد بعض المحال. وتظهر خصوصية هذا الأثر في جريمة القتل العمد المشدد من أن المشرع لم يكتفِ بانقضاء السجن، بل أجاز امتداد الرقابة إلى مرحلة ما بعد الإفراج، بالنظر إلى خطورة الوصف الذي لحق الواقعة.
ولا تفقد مراقبة الشرطة صفتها التبعية بسبب سلطة المحكمة في تخفيف مدتها أو الإعفاء منها أو تخفيف قيودها؛ لأن أصل لحوقها بالمحكوم عليه مقرر بحكم القانون، أما سلطة المحكمة فتنصب على مداها أو قيودها في الحدود التي أجازها النص. ويؤكد ذلك أن مخالفة أحكام المراقبة لا تُترك بلا جزاء، فقد نصت المادة (99/ب) من قانون العقوبات على " يعاقب من خالف أحكام مراقبة الشرطة بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مائة دينار. وبذلك لا تكون مراقبة الشرطة في القتل العمد المشدد إجراء إدارياً عارضاً، بل عقوبة تبعية ذات مضمون رقابي وجزاء مستقل عند مخالفتها.
ومؤدى ذلك أن العقوبات التبعية في جريمة القتل العمد تختلف بحسب العقوبة الأصلية والوصف الذي انتهى إليه الحكم. فإذا صدر الحكم بالسجن المؤبد أو المؤقت ترتب عليه الحرمان من الحقوق والمزايا، وحرمان المحكوم عليه من إدارة أمواله أو التصرف فيها في الحدود التي رسمها القانون.
وإذا صدر الحكم بالإعدام لحقه حرمان مماثل وبطلان أعمال الإدارة والتصرف إلى وقت التنفيذ. وإذا صدر الحكم بالسجن عن قتل عمد مقترن بظرف مشدد أمكن أن تعقبه مراقبة الشرطة بعد انقضاء مدة العقوبة.
وبهذا يبقى الموضوع محصوراً في جريمة القتل العمد، ولا ينقلب إلى عرض عام للعقوبات التبعية في قانون العقوبات.
________
1- هاني محمد عبد الحسين، جزاء جريمة القتل العمد، كلية القانون والعلوم باسية - جامعة ديالی، 2018، ص 18.
2- د. علي حسين الخلف، د. سلطان عبد القادر الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات العائك لصناعة الكتاب، القاهرة، توزيع المكتبة القانونية، بغداد ص 434.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون العقوبات العام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة