0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

القصد الجنائي في جريمة القتل العمد

المؤلف:  محمد حسن صلاح مهدي الجواهر

المصدر:  جريمة القتل العمد والظروف المشددة فيها

الجزء والصفحة:  ص 66-73

2026-06-18

33

+

-

20

لا يكفي لقيام جريمة القتل العمد أن تتحقق الوفاة بوصفها نتيجة مادية للفعل، لأن وحدة النتيجة لا تعني وحدة التكييف، فقد تقع الوفاة في صورة قتل عمد، وقد تقع في صورة ضرب أفضى إلى الموت، وقد تترتب على خطأ غير عمدي ومن ثم يبقى الركن المعنوي هو الحد الفاصل في تحديد الوصف القانوني الدقيق للفعل، لأنه هو الذي يكشف ما إذا كان الجاني قد اتجه بعدوانه إلى الحياة ذاتها أو وقف عند مجرد المساس بالجسم (1).
وقد عرف المشرع العراقي القصد الجرمي في المادة (1/33) من قانون العقوبات بأنه "توجيه الفاعل إرادته إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفاً إلى نتيجة الجريمة التي وقعت أو أية نتيجة جرمية أخرى" ، وهو تعريف يكشف أن القصد لا يقوم على مجرد صدور الفعل من الجاني، بل على اتصال إرادته بالفعل والنتيجة معاً، الأمر الذي يجعل القصد الجنائي في جريمة القتل العمد بناءً نفسياً قانونياً لا يكتمل إلا إذا ثبت اتجاه الإرادة إلى السلوك والنتيجة في آن واحد (2). وعرف الفقه القصد الجنائي بأنه علم بعناصر الجريمة وإرادة متجهة إلى تحقيق هذه العناصر أو إلى قبولها، وبذلك لا يقوم القصد على العلم وحده ولا على الإرادة وحدها، بل على تلازمهما في تكوين البنيان النفسي للجريمة (3). وذهب رأي في الفقه إلى أن القصد الجنائي في القتل يتوافر متى اتجهت إرادة الجاني إلى الاعتداء على إنسان حي وإزهاق روحه مع علمه بذلك، وذلك لأن القصد في هذه الجريمة يرتبط باتجاه العدوان إلى محل الحماية الجنائية ذاته، وهو الحياة الإنسانية(4). وقيل كذلك إن القصد الجنائي . هو تعمد ارتكاب الواقعة التي يجرمها القانون، أي انصراف إرادة الجاني إلى إحداثها عن علم بها وعن علم بتحريمها قانوناً، وهو تصور يبرز الجانب الإرادي في تكوين القصد من غير أن يفصل هذا الجانب عن العلم الذي يسبقه ويصاحبه (5) . وينتهي هذا البناء الفقهي إلى أن القصد الجنائي يقوم على عنصرين متلازمين: العلم والإرادة، أي وجوب إحاطة الجاني بعناصر الفعل الذي يباشره ثم انصراف إرادته إلى هذا الفعل وإلى النتيجة التي تترتب عليه، ومن دون هذا التلازم لا ينهض القصد الجنائي في صورته الدقيقة (6).
وتظهر أهمية هذا التحديد في التمييز بين القتل العمد وغيره من الجرائم التي تتحد معه في النتيجة وتختلف عنه في البنيان النفسي، فالضرب المفضي إلى الموت يقوم على إرادة الاعتداء على الجسم دون انصراف الإرادة إلى إزهاق الروح، أما القتل الخطأ فيقوم على انتفاء القصد إلى النتيجة أصلاً وقيامها على الإهمال أو الرعونة أو الإخلال بواجب الحيطة، ومن ثم فإن القصد الجنائي هو العنصر الحاسم في نقل الفعل من مجرد اعتداء على الجسم إلى اعتداء على الحياة (7).
أولاً : العلم
لا يراد بالعلم في جريمة القتل العمد مجرد الإدراك العام بأن الفعل خطر أو غير مشروع، وإنما يراد به إحاطة الجاني بالعناصر الواقعية التي تجعل سلوكه عدواناً على حياة إنسان حي، ولذلك كان العلم هو المدخل الأول لفهم القصد في هذه الجريمة؛ لأنه يحدد ما إذا كان الجاني قد باشر فعله وهو مدرك لحقيقة محل الاعتداء وطبيعة السلوك وخطورة الوسيلة وإمكان إفضاء الفعل إلى الوفاة في الظروف التي وقع فيها(8).
وأول ما يدخل في نطاق هذا العلم هو إدراك الجاني أن فعله ينصب على إنسان حي وقت ارتكاب السلوك، لأن القتل لا يتصور عمداً إذا انصرف الفعل إلى جثة يعتقد الفاعل خطأ أنها ما زالت حية، كما لا يتحقق إذا اعتقد أنه يباشر فعله على غير إنسان ثم تبين خلاف ذلك، إذ يختل في هذه الصور التطابق بين الإدراك والواقع في محل الحماية الجنائية (9)، ولهذا كان محل العلم في القتل أشد دقة من محله في كثير من الجرائم الأخرى، لأن موضوع الحماية هنا ليس مالاً ولا منفعة ولا مجرد سلامة جسمية، بل وجود إنساني قائم تنتهي النتيجة إذا اكتملت الجريمة ولذلك فإن إدراك أن محل الفعل إنسان حي يضع الجاني منذ البداية في مواجهة القيمة التي يحميها التجريم (10) .
ولا يقف محل العلم عند موضوع الاعتداء، بل يمتد إلى طبيعة السلوك نفسه، فلا يكفي أن يعلم الجاني أنه يضرب أو يطعن أو يطلق النار، بل يجب أن يكون مدركاً للطبيعة الاعتدائية لهذا الفعل ولوجهته الخطرة على الحياة، فالسلوك في هذه الصور لا يكون محايداً من حيث معناه الذهني، وإنما يحمل في ذاته دلالة خاصة تتصل بإدراك الفاعل له (11) .كما يدخل في محل العلم إدراك خطورة الوسيلة المستعملة، لأن الأداة لا تذكر هنا بوصفها عنصراً منفصلاً عن السلوك، بل لأنها تكشف قدراً كبيراً من مضمونه الذهني، فمن يستخدم سلاحاً نارياً أو آلة حادة أو مادة سامة أو وسيلة خانقة لا يقف غالباً عند مجرد مباشرة فعل مادي، بل يكون مدركاً لطبيعة الوسيلة التي اختارها وما تتيحه من إمكان إزهاق الروح، ومن ثم فإن نوع الوسيلة ومقدار فتكها يدخلان في تكوين محل العلم (12).
ويتصل بذلك العلم بموضوع الاعتداء، لأن الموضع الذي يوجه إليه الجاني نشاطه يكشف عن نوع الإدراك الذي صاحب فعله؛ فالإصابة في موضع حيوي لا تستوي، من حيث الدلالة الذهنية، مع إصابة تقع في موضع لا يهدد الحياة عادة، كما أن تكرار الاعتداء على الرأس أو الصدر أو العنق يحمل معنى يختلف عن التعدي العارض أو غير الموجه لذلك كان موضع الإصابة جزءاً من محل العلم لا لمجرد فائدته في الإثبات، بل لأنه داخل في البنية الذهنية للفعل نفسه (13).
ويبلغ العلم في إدراك إمكان إفضاء السلوك إلى الوفاة، لأن القصد في القتل العمد لا يقوم على مجرد علم الجاني بأنه يعتدي على جسم إنسان، بل على علمه بأن هذا الاعتداء من شأنه أن يؤدي إلى إزهاق الروح وليس المقصود هنا علماً طبياً تفصيلياً بكيفية حدوث الوفاة، وإنما يكفي أن يكون الفاعل، بحسب الخبرة العامة وملابسات الفعل، مدركاً أن السلوك الذي يباشره يدخل في دائرة الأفعال التي يمكن أن تفضي إلى الموت (14). غير أن هذا الإدراك لا يختلط بمجرد الظن العابر أو الاحتمال الذهني المجرد، فليس كل تصور بعيد لإمكان الموت كافياً لإثبات عنصر العلم في القتل العمد، وإلا اختلط هذا القصد بصور أخرى أخف من العدوان، وإنما المطلوب أن تكون الوفاة داخلة في دائرة الإدراك بوصفها نتيجة تتصل بالفعل اتصالاً جدياً وملحوظاً، لا مجرد احتمال نظري يمكن افتراضه في كل سلوك خطر (15).
ويزداد محل العلم دقة حين يدخل فيه العلم بالظروف الملابسة التي تزيد من رجحان النتيجة أو تكشف خطورتها، كضعف بنية المجني عليه أو مرضه أو فقده القدرة على المقاومة أو وقوع الفعل في مكان أو زمان يعسر فيه الإنقاذ، لأن هذه الملابسات، متى ثبت إحاطة الجاني بها وقت الفعل، تدخل في تكوين إدراكه الخطر سلوكه ولرجحان النتيجة القاتلة (16) .
ولا يظهر حد هذا البناء على نحو عملي إلا في صور الغلط والجهل؛ فإذا أخطأ الجاني في شخص المجني عليه وظنه شخصاً آخر لم ينتف العلم ما دام الفعل قد انصب مع ذلك على إنسان حي وكان الجاني مدركاً لطبيعة فعله وخطورته، أما إذا انصب الغلط على محل الاعتداء ذاته، كأن يعتقد أن الشخص قد فارق الحياة وهو في الحقيقة حي، أو يعتقد أنه يطلق على حيوان أو شيء فإذا به يصيب إنساناً، فإن محل العلم يختل وتعذر نسبة القصد القاتل إليه (17) .
كذلك إذا جهل الجاني حقيقة الوسيلة التي يستخدمها جهلاً مؤثراً، أو جهل ظرفاً واقعياً جوهرياً يجعل النتيجة القاتلة ممكنة أو راجحة فإن هذا الجهل قد ينال من قيام العلم، ومن ثم فإن دراسة الغلط ليست مسألة هامشية، بل هي الطريق الأوضح لتحديد ما يجب أن ينصرف إليه العلم في جريمة القتل العمد (18) . أما في التطبيق القضائي، فإن العلم لا يثبت بطريق مباشر، لأن ما يدور في النفس لا يدرك بذاته، وإنما يستخلص من الوقائع الخارجية والقرائن الموضوعية كنوع السلاح وموضع الإصابة، وطريقة استعمال الوسيلة، وتكرار الضربات والظروف التي وقع فيها الاعتداء، وسلوك الجاني قبل الفعل وبعده، ومن ثم فإن القضاء يتعامل مع العلم بوصفه حالة ذهنية تستخلص من تضافر هذه القرائن لا بوصفه أمراً مفترضاً لمجرد استعمال وسيلة خطرة (19).
ثانياً: الإرادة
إذا كان العلم يحدد ما انكشف للجاني من عناصر الفعل القاتل فإن الإرادة تحدد موقفه النفسي من هذا الانكشاف، فلا يكفي في جريمة القتل العمد أن يكون الفاعل مدركاً لطبيعة سلوكه وخطورة وسيلته وإمكان إفضائها إلى الوفاة، ما لم تتجه نفسه بعد هذا الإدراك إلى ارتكاب الفعل على نحو يرتبط بالنتيجة المقصودة أو المقبولة، وبذلك فإن الإرادة لا تقف عند حدود الإحاطة الذهنية بعناصر الجريمة، بل تنصرف إلى توجيه السلوك نحو العدوان على الحياة (20).
لهذا لا يصح اختزال الإرادة في مجرد الرغبة في مباشرة الفعل المادي، لأن إرادة الضرب ليست بالضرورة إرادة القتل، وإرادة استعمال السلاح ليست بالضرورة إرادة إزهاق الروح، وإرادة الاعتداء لا تتساوى دائماً مع إرادة إنهاء الحياة، ذلك أن الإرادة في القتل العمد لا تقاس بمجرد اختيار الحركة البدنية، بل بقيام اتجاه نفسي مخصوص يربط بين السلوك وبين النتيجة النهائية التي يحظرها القانون. ومن هنا فإن محل الإرادة في جريمة القتل العمد يتحدد في مستويين متلازمين: أولهما إرادة السلوك الإجرامي، أي أن يكون الفاعل قد اختار مباشرة الفعل العدواني اختياراً حراً واعياً، وثانيهما إرادة النتيجة الإجرامية، أي أن يكون السلوك قد استعمل بوصفه وسيلة لإحداث الوفاة أو على الأقل بوصفه سلوكاً يفضي إليها في الحدود التي يعتد بها القانون ولذلك كانت الإرادة في جرائم النتيجة أوسع من الإرادة في الجرائم ذات السلوك المحض.
ولا يكفي لإثبات إرادة القتل أن يقال إن الجاني كان قادراً على الامتناع عن الفعل فلم يمتنع، لأن هذا يثبت الاختيار في السلوك ولا يثبت اتجاهه إلى النتيجة، كما لا يكفي أن يثبت أنه كان غاضباً أو عنيفاً أو معتدياً، لأن هذه كلها أحوال قد تفسر العدوان لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الإرادة قد اتجهت إلى إزهاق الروح تحديداً، وإنما الذي ينهض مقام الإرادة هو أن يتبين من ظروف الفعل ووسيلته وكيفية تنفيذه وموضعه وتكراره أن الجاني لم يرد مجرد الإيذاء، بل استخدم فعله على نحو يحقق أو يستهدف النتيجة القاتلة (21). وتزداد هذه الفكرة وضوحاً عند المقارنة بين الإرادة في القتل العمد والإرادة في الجرائم غير العمدية، ففي القتل الخطأ قد يريد الفاعل السلوك كاملاً كمن يقود أو يطلق أو يضرب بإرادته، لكنه لا يريد النتيجة ولا يقبل بها، وإنما تقع بسبب الإهمال أو الرعونة أو الإخلال بواجب الحيطة، أما في القتل العمد فلا يكفي صدور الفعل الإرادي، بل يجب أن يكون هذا الفعل قد استعمل استعمالاً نفسياً يتجه إلى الوفاة نفسها. ومن ثم فإن محل الإرادة في القتل العمد لا يقتصر على إرادة العدوان على الجسم، بل يمتد إلى العدوان على الحق في الحياة، وهذه نقطة تمنع الخلط بين نية الإيذاء الجسدي ونية إزهاق الروح، فالفعل قد يكون عنيفاً، وقد يقع على موضع خطير، وقد تستعمل فيه وسيلة قاتلة بطبيعتها، ومع ذلك يبقى السؤال قائماً: هل استعمل ذلك كله بقصد إنهاء الحياة أم بقصد الإيذاء فقط؟ لذلك يجب التمييز بين إرادة السلوك وباعث السلوك، فالباعث هو الدافع النفسي الذي حمل الجاني على الفعل، كالشرف أو الحقد أو الخوف أو المنفعة أو الغيرة، أما الإرادة فهي الاتجاه العملي للنفس إلى استعمال الفعل لتحقيق النتيجة، وقد يكون الباعث شريفاً أو دنيئاً من غير أن يغير ذلك من حقيقة الإرادة من حيث قيامها أو عدم قيامها إلا في الحالات التي يرتب فيها القانون أثراً خاصاً على الباعث (22).
ولا تثبت الإرادة بهذا المعنى بإقرار مجرد ولا بقرينة منفردة، بل تستخلص من مجموعة من الوقائع المادية التي تكشف عن اتجاهها؛ كتكرار الطعنات والتصويب إلى مواضع قاتلة، واستعمال وسيلة بطبيعتها مميتة في ظروف لا تسمح عادة بغير الموت ومواصلة الاعتداء حتى ينهار المجني عليه ومنع إسعافه، واختيار زمان أو مكان يجعل النجاة متعذرة، لأن هذه القرائن في مجموعها تكشف أن الإرادة لم تكن منصرفة إلى الفعل فقط بل إلى النتيجة التي انتهى إليها الفعل (23).
ويظهر المعنى الأدق للإرادة حين تمتد في صور القتل المشدد، إلى الوسيلة أو الظرف الخاص الذي يرتب عليه القانون أثراً في التشديد فلا تقوم المسؤولية عن هذا الظرف إلا إذا كان الجاني عالماً به وقد اتجهت إرادته إليه، لأن محل الإرادة لا ينحصر في أصل الفعل القاتل، بل قد يتدرج إلى الكيفية الخاصة متی جعلها القانون محل اعتبار مستقل (24) . وينتهي هذا التحليل إلى أن الإرادة في جريمة القتل العمد لا تقوم على مجرد اختيار السلوك العدواني، بل على انصراف النفس إلى هذا السلوك بصفته طريقاً إلى إزهاق الروح، بحيث تتجه إلى الفعل والنتيجة معاً في الجرائم ذات النتيجة، وبذلك تكون الإرادة هي العنصر الذي يمنح العلم أثره العملي داخل القصد الجنائي ويحول الإدراك إلى عدوان عمدي على الحياة.
ولا يستقر القصد الجنائي في جريمة القتل العمد على صورة واحدة لأن اتصال الإرادة بالنتيجة القاتلة قد يقع على نحو تتجه فيه إلى إزهاق الروح مباشرة، وقد يقع على نحو يتوقع فيه الفاعل النتيجة ويمضي في فعله مع قبول المخاطرة بحدوثها، ومن ثم فإن صور القصد الجنائي في جريمة القتل العمد يتحدد في صورتين: القصد المباشر، والقصد الاحتمالي، وهو ما سنبينه تباعا ؛
1- القصد المباشر
يتحقق القصد المباشر حين تتجه إرادة الجاني إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفة إلى النتيجة التي وقعت، فتكون الوفاة داخلة في قصده منذ لحظة التنفيذ لا نتيجة جاوزت ما انصرفت إليه إرادته، وهذا هو المعنى الذي يفهم من تعريف المشرع العراقي للقصد الجرمي بوصفه توجيه الفاعل إرادته إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفاً إلى نتيجة الجريمة التي وقعت أو أية نتيجة جريمة أخرى (25). وعلى هذا الأساس، فإن القصد المباشر في القتل العمد لا يقوم على مجرد تعمد السلوك العدواني، بل على تعمده بوصفه طريقاً إلى إزهاق الروح، ولذلك كان هو الصورة التي تتجلى فيها إرادة الاعتداء على الحياة بأوضح صورها. وبهذا يتميز عن الضرب المفضي إلى الموت، لأن هذا الأخير يقوم على إرادة اعتداء على الجسم من غير أن تنصرف الإرادة إلى إنهاء الحياة، كما يتميز عن القتل الخطأ الذي تنتفي فيه الإرادة أصلاً إلى النتيجة القاتلة (26) .
ولا يثبت القصد المباشر بمجرد دعوى الجاني أو إنكاره، وإنما يستخلص من ظروف الواقعة وملابساتها المادية؛ من نوع السلاح المستعمل، وموضع الإصابة، وكيفية الاعتداء، وتكراره، وما تكشف عنه هذه العناصر من أن الفاعل لم يقف عند مجرد الإيذاء، بل استعمل فعله على نحو يتجه إلى إزهاق الروح. ومن هنا كانت نية القتل مسألة موضوعية يستنبطها قاضي الموضوع من الوقائع والدلائل الخارجية المحيطة بالجريمة (27).
2- القصد الاحتمالي
نصت المادة (34) من قانون العقوبات العراقي في على " تكون الجريمة عمدية إذا توافر القصد الجرمي لدى فاعلها وتعد الجريمة عمدية كذلك.
أ- اذا فرض القانون او الاتفاق واجباً على شخص وامتنع عن ادانه قاصداً احداث الجريمة التي نشأت مباشرة عن هذا الامتناع.
ب- اذا توقع الفاعل نتائج اجرامية لفعله فأقدم عليه قابلاً المخاطرة بحدوثها."
ومن تحليل هذا النص يتبين أن القصد الاحتمالي يتحقق بتوافر عنصرين: أولهما توقع حصول النتيجة، وثانيهما قبول المخاطرة بحدوثها. وبهاذان العنصران يخرج القصد الاحتمالي من دائرة الخطأ، ويدخل في دائرة العمد، لأن الجاني لا يكون فيه غافلاً عن النتيجة ولا جاهلاً بها، بل يكون متصوراً لها وماضياً في سلوكه مع قبوله في دائرة الاحتمال الجدي.
ويقصد بتوقع حصول النتيجة أن الجاني لا يكون متيقناً على نحو حتمي من أن فعله سيؤدي إلى الوفاة، إلا أنه يتصورها نتيجة ممكنة لفعله، أو يراها ممكنة الوقوع في ضوء السلوك الذي يباشره والظروف التي أحاطت به. فهو لا يهدف إلى النتيجة كما في القصد المباشر، لكنه لا يستبعدها من مجال فعله، بل يدخلها في حسابه بوصفها احتمالاً جدياً ملازماً له، فإذا ثبت أنه تصور إمكان حصولها على هذا النحو، قام العنصر الأول من عناصر القصد الاحتمالي (28).
أما قبول المخاطرة بحدوث النتيجة، فيعني أن الفاعل، بعد أن يتوقع النتيجة الإجرامية بوصفها ممكنة، لا ينصرف عن فعله ولا يحجم عنه، بل يقدم عليه مع قبول ما قد يترتب عليه من أثر جنائي. فالقانون لا يقف عند مجرد التوقع الذهني، لأن هذا التوقع قد يوجد في بعض صور الخطأ، وإنما يشترط أن ينضم إليه موقف إرادي يتمثل في المضي في الفعل مع قبول النتيجة أو قبول المخاطرة بوقوعها، وهذه هي الإرادة التي تمنح القصد الاحتمالي وصفه العمدي (29) .
وعلى هذا الأساس، فإن الفارق بين القصد المباشر والقصد الاحتمالي لا يكمن في وجود الإرادة من عدمها، بل في كيفية اتصالها بالنتيجة؛ ففي القصد المباشر تتجه الإرادة إلى الوفاة ابتداءً بوصفها النتيجة المستهدفة، أما في القصد الاحتمالي فإن الإرادة لا تستهدفها على هذا النحو الأصيل، لكنها تمضي في الفعل بعد توقعها وقابلة ما قد يترتب عليه من موت ومع ذلك تبقى الصورتان داخلتين في نطاق القتل العمد، لأن القانون اعتد في كلتيهما بقيام الصلة النفسية بين الفاعل وبين النتيجة القاتلة على الوجه الذي يكفي لإضفاء الوصف العمدي على الجريمة. وفي كلتا الصورتين لا تكون الوفاة نتيجة أجنبية عن البناء النفسي للفعل، بل تكون داخلة فيه على نحو يبرر وصف الجريمة بأنها قتل عمد.
______________
1- د. علي عبد القادر القهوجي، قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الإنسان والمال منشورات الحلبي الحقوقية، د. ت ص 116.
2- المادة 1/33 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.
3- د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات - القسم العام - النظرية العامة للجريمة والنظرية العامة للعقوبة والتدبير الاحترازي، دار النهضة، د. ت، ص 605 .
4- د. احمد فتحي سرور الوسيط في قانون العقوبات - القسم الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة ، 2012، ص551.
5- د. حميد السعدي، شرح قانون العقوبات الجديد - الأحكام العامة، مطبعة المعارف، د. ت، ص 168.
6- د. ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص146.
7- د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 116.
8- د. محمد زكي أبو عامر، قانون العقوبات - القسم الخاص، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 1989، ، ص416.
9- د. محمد زكي أبو عامر، قانون العقوبات - القسم الخاص، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 1989، ، ص 417.
10- د.علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 435.
11- د. فتوح عبد الله الشاذلي، المسؤولية الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، د. ت، ص 177.
12- د. ماهر عبد شويش الدرة، مصدر سابق، ص 141 .
13- د. محمد الفاضل، الجرائم الواقعة على الاشخاص، مطبعة جامعة دمشق دمشق 1962، ص151-152
14- د. محمد زكي أبو عامر، مصدر سابق، ص 416.
15- د. محمد زكي أبو عامر، مصدر سابق، ص 416.
16- صالح عبد الواحد، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص: جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال، 2005، ص 61.
17- د. أحمد فتحى سرور، مصدر سابق، ص514.
18- محمود مصطفى شرح قانون العقوبات - القسم الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 233.
19- د. واثبة داوود السعدي، قانون العقوبات - القسم الخاص شركة العائك لصناعة الكتب، القاهرة ، د. ت، ، ص99.
20- د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 438.
21- د. حميد السعدي، شرح قانون العقوبات الجديد - الأحكام العامة، مطبعة المعارف، د. ت، ص 236.
22- د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 438.
23- د. محمد الفاضل، الجرائم الواقعة على الاشخاص، مطبعة جامعة دمشق دمشق 1962، ص151-152
24- علي جبار شلال الظروف العامة المشددة، رسالة دكتوراه جامعة بغداد، 1985، ص 183.
25- المادة 1/33 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
26- د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 117.
27- د. واثبة داود السعدي، مصدر سابق، ص 101.
28- د. واثبة داود السعدي، المصدر نفسه، ص 105.
29- د. حميد السعدي، مصدر سابق، ص262.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد