نصت المادة (406 الفقرة / 1) على تشديد عقوبة القتل العمد المقترنة بدافع دنيء أو مقابل أجر حيث جاء فيها "1- يعاقب بالإعدام من قتل نفساً عمداً في إحدى الحالات التالية: ج- إذا كان القتل لدافع دنيء أو مقابل أجر، أو إذا استعمل الجاني طرقاً وحشية في ارتكاب الفعل"
بينما لم تشدد التشريعات محل المقارنة " المصري، الفرنسي" جريمة القتل العمد المقترنة بهذه الظروف كما جاء في نص المادة آنفة الذكر من قانون العقوبات العراقي. وللخوض في ذلك سنقسم هذا الموضوع إلى فرعين ، نتناول في الفرع الأول منه إذا كان القتل لدافع دنيء، أما الفرع الثاني منه فسينصرف إلى بيان ما إذا كان القتل مقابل أجر.
الفرع الأول
إذا كان القتل لدافع دنيء
الباعث على الجريمة هو القوة المحركة للإرادة، أو العامل النفسي الذي يدعو إلى التفكير في الجريمة (1). والباعث أمر مستقل عن عناصر الجريمة والبواعث على الجريمة كثيرة جداً لا تدخل تحت الحصر وتختلف باختلاف الأشخاص.
والأصل أن البواعث لا يعتد بها كما في جريمة القتل العمد يعاقب عليها بالعقوبة التي نص عليها القانون مهما كان الباعث الذي دفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة وهذا ما نصت عليه المادة (38) من قانون العقوبات العراقي بقولها " لا يعتد بالباعث على ارتكاب الجريمة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك" ، وقد نص المشرع على اعتبار الباعث الشريف على ارتكاب الجريمة عذراً مخففاً للعقوبة وهذا ما جاء في نص المادة (128) من القانون (2). كما أن المادة (1/135) من نفس القانون قد اعتبرت ارتكاب الجريمة بباعث دنيء ظرفاً مشدداً (3) .
مما يتضح أن الأصل في البواعث هو عدم الاعتداد بها، غير أن المشرع خرج على هذا الأصل في حالات خاصة، فجعل الباعث الشريف عذراً مخففاً، واعتبر الباعث الدنيء ظرفاً مشدداً.
ثم جاءت الفقرة (ج) من المادة (1/406) لتعتبر الدافع الدنيء ظرفاً مشدداً، فنصت على" 1- يعاقب بالإعدام من قتل نفساً عمداً في إحدى الحالات التالية: ج- إذا كان القتل لدافع دنيء أو مقابل أجر، أو إذا استعمل الجاني طرقاً وحشية في ارتكاب الفعل. " ويضح من ذلك أن المشرع العراقي لم يكتف بالنص العام الوارد في المادة (1/135)، وإنما عاد فنص على الدافع الدنيء في جريمة القتل العمد على وجه التحديد واعتبره ظرفاً مشدداً يقتضي الإعدام. ويعتبر الدافع على الجريمة دنياً عندما يكون غير أخلاقي ويدل على خسة ونذالة في الخلق وانحطاط في القيم، أي يعتبر الباعث دنياً كلما كان شراً ويدل على سوء خلق ونذالة صاحبه، مثال ذلك من يلجأ إلى قتل عشيق زوجته لعدم دفعه الأخير أجرة المتعة المفروضة عليه (4).
ومع ذلك فإن البواعث الدنيئة والخسيسة كثيرة جداً ولا يمكن وضع معيار محدد ينطبق على كل الحالات وتكشف بواسطته فيما إذا كان الباعث شريفاً أو دنياً، ولذلك فإن تقدير القيمة الأخلاقية للباعث مسألة متروكة لتقدير القاضي مستهدياً بالقيم والعادات الحميدة للمجتمع. وأن الدافع الدنيء لا ينحصر في صورة معينة، وإنما يتسع لكل باعث يكشف عن خسة ونذالة وانحطاط في القيم، ومن ثم فإن تقديره يظل منوطاً بقاضي الموضوع في ضوء القيم السائدة في المجتمع.
وتتمثل العلة من تشديد هذا الظرف في أن الجاني حين يقدم على القتل بدافع دنيء لا يكشف فقط عن اتجاه إرادته إلى إزهاق روح المجني عليه، وإنما يكشف قبل ذلك عن ا انحطاط في الباعث الذي حرك هذه الإرادة، مما يجعل الجريمة في هذه الصورة أدل على الخسة وسوء الخلق، وأشد خطراً من القتل الذي يقع بدافع لا يبلغ هذا القدر من الانحطاط. فليس ينظر هنا إلى النتيجة وحدها وإنما نظر كذلك إلى الباعث الذي دفع الجاني إلى ارتكاب فعله، بما يكشف عنه هذا الباعث من ترد في القيم واستهانة جسيمة بحرمة الحياة الإنسانية. مما يتضح أن تشديد العقوبة في حالة القتل بدافع دنيء لا يقوم على مجرد تحقق القتل العمد، وإنما يقوم على ما يكشف عنه الباعث ذاته من انحطاط خلقي وخطورة إجرامية في نفس الجاني، وهو ما يبرر تشديد العقاب عليه.
الفرع الثاني
إذا كان القتل مقابل أجر
تعني هذه الحالة أن الجاني أجر نفسه ليقوم بقتل شخص مقابل أجر دفعه له ذلك الشخص، وهي الحالة التي يقوم بها الجاني بقتل شخص دون سابق معرفة ودون أن تكون بين الاثنين أية عداوة أو علاقة سوى أنه قبض ثمناً أي أجراً مقابل إزهاق روح المجني عليه (5) . أي أن القتل مقابل أجر يفترض وجود منفعة أو مقابل يحصل عليه الجاني نظير إقدامه على إزهاق روح المجني عليه. إن ظاهرة استئجار الأفراد للمجرمين من أجل تنفيذ الجرائم لحسابهم ظاهرة عرفت منذ القدم ولا زالت هذه الظاهرة موجودة في عصرنا الحاضر. والعلة في التشديد على الأجر هنا أظهر خطورة كبيرة على أمن وسلامة المجتمع لقساوة طبع الفاعل وتجرده عن المفاهيم والقيم الإنسانية وتخليه عن معاني الشرف والكرامة، فالقاتل الذي يرضى لنفسه أن يزهق روح إنسان بمجرد استلامه مبلغاً من المال أو أية منفعة أخرى هو بكل تأكيد يشكل خطراً على المجتمع وخطورة تفوق خطورة من يقدم على القتل نتيجة شجار آني أو خلاف وقع مع المجني عليه ويتطور إلى القتل (6).
ويذهب جانب من الفقه إلى القول بأن الأمر الذي أغرى الجاني وبالمال دفعه لقتل المجني عليه يعتبر صورة من صور الباعث الدنيء الذي تحدثت عنه نفس الفقرة من المادة (406) ، ولذلك ينتهي هذا الرأي إلى عدم وجود ضرورة إلى النص على هذه الحالة لشمول حكم الباعث الدنيء على هذه الحالة (7).
ونحن بدورنا نخالف ما جاء في هذا الرأي، علماً أن فيه جانباً من الصواب، ذلك أن المشرع العراقي أراد توسیع نطاق التشديد لردع هذه الحالة، فإذا كان ما سبق ذكره من توجيه فقهي بأن القتل مقابل أجر يشمل حالة الباعث الدنيء، فيمكن القول أن المشرع أراد التأكيد فأفرد الصورتين لردع هذه الحالة واعتبر ذلك ظرفاً مشدداً للعقوبة، ليس القتل مقابل أجر هو صورة تابعة لظرف القتل بدافع دنيء، ولو أنه كان صورة له لما أفرده المشرع بقوله في ذات المادة نفسها في الفقرة (ج) "إذا وقع القتل لدافع دنيء أو مقابل أجر ...." لكان قال "... لدافع دنيء، ومقابل أجر .. مما يتضح أن المشرع العراقي لم يورد القتل مقابل أجر على سبيل التبعية للدافع الدنيء، وإنما أفرده بالنص وعده صورة قائمة بذاتها من صور التشديد، وهو ما يفصح عن قصد تشريعي واضح في التوسع في نطاق الردع ويشترط لقيام هذا الظرف، انصراف علم الجاني بأنه يقتل مقابل أجر وأن هذا الأجر هو الذي دفعه به لارتكاب الجريمة، بما معناه أنه يجب أن تكون هناك فائدة أو منفعة مستقلة يحصل عليها الجاني ولابد من علم الجاني بذلك. وعليه فإن المشرع العراقي قد شدد القتل العمد إذا اقترن بدافع دنيء أو وقع مقابل أجر، وعد كلتا الصورتين ظرفاً مشدداً مستقلاً . يبور تشديد العقوبة إلى الإعدام. كما يتبين أن الدافع الدنيء يقوم على انحطاط الباعث وخسته، في حين أن القتل مقابل أجر يقوم على إقدام الجاني على إزهاق روح إنسان لقاء منفعة أو مقابل. وإذا كان بين الصورتين قدر من التقارب من حيث ما تكشفان عنه من سوء في الباعث وخطورة في نفس الجاني، فإن ذلك لا يدور الخلط بينهما، لأن المشرع قد أفرد كلاً منهما بالنص وعده سبباً قائماً بذاته للتشديد ومن ثم فإن العلة في التشديد في كلتا الحالتين ترجع إلى ما تنطويان عليه من خطورة إجرامية خاصة واستهانة بالغة بحرمة الحياة الإنسانية .
___________
1- د. محمود مصطفى شرح قانون العقوبات - القسم الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة ، ص418.
2- المادة (128) 1- الأعذار إما أن تكون معفية من العقوبة أو مخففة لها ولا عذر إلا في الأحوال التي عينها القانون، وفيما عدا هذه الأحوال يعتبر عذراً مختلفاً ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة أو بناء على استفزاز خطير من المجني عليه بغير حق. 2- يجب على المحكمة أن تبين في أسباب حكمها العذر المعفي من العقوبة ".
3- المادة (1/135) مع عدم الإخلال بالأحوال الخاصة التي ينص فيها القانون على تشديد العقوبة، يعتبر من الظروف المشددة ما يلي: 1- ارتكاب الجريمة بباعث دنيء .
4- ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص 160.
5- د. ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص 160.
6- د. ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص 161.
7- د. عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات العراقي، الجزء الأول، بغداد، د. ت، ص211.