أخرج السيوطيّ، وابن كثير، عن البزّاز، والدار قطنيّ في «الأفراد»، وابن مردويه، وابن عساكر عن سعيد بن المسيّب قال: جاء صُبَيْغ التميميّ إلى عمر بن الخطّاب فقال: أخبرني عن الذَّارِياتِ ذَرْواً. قال: هي الرياح، ولو لا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم يقوله ما قلتُه. قال: فأخبرني عن فَالْحامِلاتِ وِقْراً. قال: هي الرياح: ولو لا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم يقوله ما قلتُه. قال: فأخبرني عن فَالْجارِياتِ يُسْراً. قال: هي السفن، ولو لا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول ما قلتُه. قال: فأخبرني عن فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً. قال: الملائكة، ولو لا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم يقوله ما قلتُه.
ثمّ أمر به، فضُرب مائة، وجُعل في بيت. فلمّا برأ، دعاه فضربه مائة اخرى وحمله على قتب، ونفاه إلى البصرة، وكتب إلى أبى موسى الأشعريّ: امنع الناس من مجالسته، فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلّظة ما يجد في نفسه ممّا كان يجد شيئاً. فكتب (أبو موسى) في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما أخاله إلّا قد صدق. فخلِ بينه وبين مجالسة الناس.[1]
وأخرج السيوطيّ عن الفريابيّ، عن الحسن قال: سأل صُبَيْغ بن عسل التميميّ عمر بن الخطّاب عن الذَّارِياتِ ذَرْواً، ووَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، ووَ النَّازِعاتِ غَرْقاً. فقال له عمر: اكشف رأسك. فإذا له ضفيرتان. فقال عمر: والله لو وجدتُك محلوقاً، لضربتُ عنقك. ثمّ كتب إلى أبي موسى الأشعريّ أن لا يجالسه مسلم ولا يكلّمه.[2]
إن سؤال صُبَيْغ عمر، وضربه بجريد النخل وعراجينه حتى جرح بدنه وورم كالدُّمَّل، ثمّ حبسه حتى برأ، وضربه مرّة اخرى بعراجين النخل، وسائر جزئيّات القضيّة من المسلّمات في التأريخ. وقال ابن كثير في ذيل هذه الرواية التي نقلناه أخيراً عنه: ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القضيّة في ترجمة صُبَيْغ مفصّلًا.
ونقل العلّامة الأمينيّ هذه القضيّة في باب نوادر الأثر في علم عمر تحت عنوان: اجتهاد الخليفة في السؤال عن مشكلات القرآن، وذلك بعبارات ومضامين مختلفة تتحدّث كلّها عن قضيّة واحدة. ورواها الأمينيّ عن «سنن الدارميّ»، و«تاريخ ابن عساكر»، و«سيرة عمر» لابن الجوزيّ، و«تفسير ابن كثير»، و«الإتقان» للسيوطيّ، و«كنز العمّال» نقلًا عن الدارميّ، ونصر المقدسيّ، والأصفهانيّ، وابن الأنباريّ، والكانيّ، وابن عساكر. ورواها أيضاً عن تفسير «الدرّ المنثور»، و«فتح الباري»، و«الفتوحات المكّيّة»، وفيها أنّ سليمان بن يسار روى أنّ رجلًا يقال له: صبيغ، قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن. فأرسل إليه عمر، وقد أعدّ له عراجين[3] النخل، فقال: مَن أنت؟ قال: أنا عبد الله صُبَيغ. فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه وقال: أنا عبد الله عمر. فجعل يضربه ضرباً حتى دميَ رأسه. فقال صُبَيغ: يا أمير المؤمنين! حسبك، قد ذهب الذي كنتُ أجد في رأسي.
وعن نافع مولى عبد الله أنّ صُبَيْغ العراقيّ جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين، حتى قدم مصر. فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب. فلمّا أتاه الرسول بالكتاب فقرأه، فقال: أين الرجل؟ فقال الرسول: في الرحل. قال عمر: أبصر أن يكون ذهب فتصيبك منّي العقوبة الموجعة. فأتاه به.
فقال عمر: تسأل مُحْدِثاً! فأرسل عمر إلى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة، ثمّ تركه حتى برأ. ثمّ عاد له، ثمّ تركه حتى برأ. فدعا به ليعود له، قال صُبَيْغ: إن كنت تريد قتلي، فاقتلني قتلًا جميلًا. وإن كنت تريد أن تداويني، فقد والله برئت.
فأذِنَ له عمر إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعريّ أن لا يجالسه أحد من المسلمين. فاشتدّ ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر: أن قد حسنت توبته. فكتب عمر أن يأذن الناس بمجالسته.
وعن السائب بن يزيد قال: اتي عمر بن الخطّاب فقيل: يا أمير المؤمنين! إنّا لقِينا رجلًا يسأل عن تأويل مشكل القرآن، فقال عمر: اللَهُمَّ مَكِّنِّي مِنْهُ. فبينما عمر ذات يوم جالساً يُغدي الناس، إذ جاء (الرجل) وعليه ثياب وعمامة صفدي حتى إذا فرغ، قال: يا أمير المؤمنين! وَالذَّارِياتِ ذَرْواً، فَالْحامِلاتِ وِقْراً؟
فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه وحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته.
فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك. ألبسوه ثياباً واحملوه على قتب وأخرجوه حتى تقدموا به بلاده. ثمّ ليقم خطيب، ثمّ يقول: إنّ صبيغاً ابتغى العلم فأخطأه. فلم يزل صُبيغ وضيعاً في قومه حتى هلك، وكان سيّد قومه.[4]
وعن أنس: أنّ عمر بن الخطّاب جلد صُبيغاً الكوفيّ في مسألة عن حرف من القرآن حتى اضطربت الدماء في ظهره.
وعن الزُّهْريّ: أنّ عمر جلد صُبيغاً لكثرة مساءلته عن حروف القرآن حتى اضطربت الدماء في ظهره.
قال الغزّاليّ في «إحياء العلوم» ج 1، ص 30: وعمر هو الذي سدّ باب الكلام والجدل، وضرب صبيغاً بالدرّة لما أورد عليه سؤالًا في تعارض آيتين في كتاب الله وهجره، وأمر الناس بهجره- انتهى.
وصبيغ هذا هو صُبَيْغ بن عَسَل. ويقال: ابن عَسيل. ويقال: صبيغ ابن شريك من بنى عسيل.[5]
إن العامّة يسوّغون فعل عمر بقولهم: إنّ صبيغاً سأل عن متشابه القرآن، وقد ورد النهى عن هذا السؤال. فلهذا أدّبه عمر بالضرب، والحبس، والتعذيب، والنفي، ونهي الناس عن مجالسته.
وذكر السيوطيّ في «الإتقان» روايتين في هذا الموضوع عن صُبيغ ضمن الباب المتعلّق بعدم جواز العمل بمتشابهات القرآن: الاولي: رواية الدارميّ عن سليمان بن يسار وقد ذكرناها في هذا البحث. الثانية: رواية نافع مولى عبد الله، وقد أوردناها بعد الرواية الاولى، وعرضها السيوطيّ بقوله: وفي رِوَايةٍ.[6]
وقال ابن كثير بعد رواية سعيد بن المسيِّب التي ننقلها عنه: قصّة صُبَيغ بن عَسَل مشهورة مع عمر، وإنَّمَا ضَرَبَهُ لأنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مِنْ أمْرِهِ فِيمَا يَسْألُ تَعَنُّتَاً وعِنَادَاً. واللهُ أعْلَمُ.[7]
[1] «الدرّ المنثور» ج 6، ص 111؛ و«تفسير ابن كثير» ج 6، ص 414.
[2] «الدرّ المنثور» ج 6، ص 111.
[3] العراجين جمع العرجون. وعرجون النخلة جريدها المتّصل بجذعها، وتعلّق به أعذاق التمر. ويعوّج ويبقى على النخل يابساً بعد قطع الشماريخ عنه، ثمّ يؤخذ ويستعمل.
[4] وردت هذه القضيّة في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 271، الطبعة الثانية، وقال في هامشها: أخرجها أهل الأخبار، وأرسلها المتتبّع الخبير ابن أبي الحديد في أحوال عمر، في «شرح نهج البلاغة» ج 3، ص 122، طبعة مصر. وجاء اسم الشخص في جميعها: ضُبَيع بالضاد المعجمة والعين المهملة.
[5] «الغدير»، ج 6، ص 290 إلى 292، تحت الرقم 90.
[6] «الإتقان» ج 12، ص 4 (أقدم طبعة) طبعة المطبعة الموسويّة في ديار مصر، سنة 1278 ه-.
[7] «تفسير ابن كثير» ج 6، ص 414، طبعة بيروت.