مرض عَبْدُ اللهِ بْنُ أبي في ليالٍ بقين من شوّال. ومات في ذي القعدة. وكان مرضه عشرين ليلة. وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يعوده فيها. فلمّا كان اليوم الذي مات فيه، دخل عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو يجود بنفسه. فقال: قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ حُبِ اليَهُودِ. فقال عبد الله بن أبي: أبغضهم سَعْدُ بْنُ زُرَارَة، فما نفعه! ثمّ قال ابن أبي: يَا رَسولَ اللهِ! ليس بحين عِتاب! هو الموت. فإن متُّ فاحضر غُسلي وأعطِني قميصَك، اكفَّن فيه! فأعطاه الأعلى- و كان عليه قميصان- فقال: الذي يلي جلدك! فنزع قميصه الذي يلي جلده فأعطاه، ثمّ قال: صلّ عَلَيّ واستغفر لي!
وإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حضر غُسله وكفَّنه. ثمّ حُمل إلى موضع الجنائز. فتقدّم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليصلّي عليه[1].
فلمّا قام، وثب إليه عمر بن الخطّاب فقال: يا رسول الله! أ تصلّي على ابن أبي، وقد قال يوم كذا كذا، ويوم كذا كذا؟ فعدّ عليه قوله.
فتبسّم رسول الله وقال: أخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ! فلمّا أكثر عليه عمر، قال (رسول الله): إنّي قد خُيّرت فاخترت؛ ولو أعلم أنّي إذا زدت على السبعين، غُفِر له، زدت عليها. وهو قوله عزّ وجلّ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ[2].
وقيل: إنّه قال: سأزيد على السبعين. فصلّى رسول الله، ثمّ انصرف. فلم يكن إلّا يسيراً حتّى نزلت هذه الآية: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهُمْ فاسِقُونَ[3].
وكان مُجَمِّع بْنُ جَارِيَة يقول: ما رأيت رسول الله أطال على جنازة قطّ ما أطال عليها من الوقت، ثمّ خرجوا حتّى انتهوا إلى قبره.
فكان عَمْرُو بْنُ امَيَّة الضَّمْرِيّ يقول: لقد جَهدِنا أن ندنو من سريره، فما نقدر عليه. قد غلب عليه هؤلاء المنافقون وكانوا قد أظهروا الإسلام، وهم على النفاق. من بني قينقاع وغيرهم كسَعْدِ بْنِ حُنَيْفٍ وزَيْدِ بْنِ اللُّصيْتِ وسَلَامَة بْنِ الحُمَامِ ونُعْمَانِ بْنِ أبي عَامِرٍ ورَافِعِ بْنِ حَرْمَلَة ومَالِكِ بْنِ أبي نَوْفَلٍ ودَاعِسٍ وسُوَيْدٍ. وكانوا أخابث المنافقين، وكانوا هم الذين يحرّضونه.
وكان ابنه عبد الله (سمّاه رسول الله عبد الله) ليس شيء أثقل عليه ولا أعظم من رؤيتهم. (و كان هذا الابن من خواصّ عبد الله)، ويغلق دون المنافقين الباب. وكان عبد الله بن أبي يقول: لا يليني غيرهم، ويقول (لابنه): أنت والله أحبّ إليّ من الماء على الظَّمَأ! و(كان المنافقون) يقولون (له): ليت أنّا نفديك بالأنفس، والأولاد، والأموال، (و لم تكن متَّ!) ولمّا وقفوا على حفرته، ورسول الله صليّ الله عليه وآله وسلّم واقف يلحظهم، ازدحموا على النزول في حفرته، وارتفعت الأصوات حتّى اصيب أنف داعِس؛ وجعل عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ يذبّهم ويقول: اخفضوا أصواتكم عند رسول الله. حتّى اصيب أنف داعس فسال الدم. وكان يريد أن ينزل في حفرته، فنُحِّي، ونزل رجال من قومه، أهل فضلٍ وإسلام. وكان لمّا رأوا من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الصلاة عليه وحضوره، ومن القيام عليه، فنزل في حفرته ابنه عَبْدُ اللهِ وسَعْدُ بْنُ عُبَادَة بْنُ الصَّامِتِ وأوْسُ بْنُ خَوْلي حتّى سُوِّي عليه (قبره). وإنّ عِلْيَة أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأكابر من الأوس والخزرج يُدلونه في اللَّحد، وهم قيام مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وكان رسول الله قد وقف على قبره حتّى دُفن، وعزّي ابنَه، وانصرف.
وكان عَمْرُو بْنُ امَيَّة يقول: ما لقي عليه أصحابه هؤلاء المنافقون؟! فهم من جهة يَحثون عليه الترابَ في القبر، (و من جهة اخرى) يقولون: يا ليت أنَّا فديناك بالأنفس؛ وكنّا متنا قبلك، وهم يحثون التراب على رؤوسهم. فكان الذي يحسن أمره يقول: الخزرج قوم أهل فقر، وكان يحسن إليهم[4].
وفي تفسير «الدرّ المنثور» بعد كلام رسول الله لعمر: أخِّر عنّي يا عمر! قال عمر: صلّى عليه رسول الله، ومشى في جنازته، حتّى قام على قبره، وفرغ منه فَعَجِبْتُ لي ولِجُرْأتِي على رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، واللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ[5].
[1] ذكر هيكل الصلاة على عبد الله بن أبي مختصراً في كتاب «حياة محمّد» ص 432.
[2] الآية 80، من السورة 9: التوبة.
[3] الآية 84، من السورة 9: التوبة.
[4] «المغازي» ج 3، ص 1057 إلى 1060، و كذلك في ص 1070؛ و «البداية و النهاية» ج 5: ص 34 و 35.
[5] تفسير «الميزان» ج 9، ص 372 و 373؛ و «البداية و النهاية» ج 5، ص 35.