من بين الذين تخلّفوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في غزوة تبوك ما عدا المتخلّفين من المنافقين، والمعذّرين، والذين التحقوا فيما بعد كأبِي خَيْثَمَة ثلاثة أشخاص. إذ ظلّوا في المدينة مع إيمانهم برسول الله، لكن اعتراهم ضعف، وتثاقلوا مع قدرتهم المالية والبدنيّة. إلى أن عاد جيش رسول الله من تبوك. وروى المؤرّخون كالواقديّ وغيره[1] قصّة هؤلاء الأشخاص الثلاثة مفصّلًا. بَيدَ أنّا ننقلها هنا عن الشيخ الطبرسيّ بإيجاز: يقول: نزلت الآية وعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا في شأن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ومَرَارَة بْنِ الرَّبِيعِ وهِلالِ بْنِ امَيَّة[2]. وذلك أنّهم تخلّفوا عن رسول الله ولم يخرجوا معه، لا عن نفاق ولكن عن توانٍ، ثمّ ندموا.
ولمّا قدم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة، جاءوا إليه واعتذروا، فلم يكلّمهم النبيّ، وتقدّم إلى المسلمين بأن لا يكلّمهم أحد منهم؛ فهجرهم الناس كلّهم حتّى الصبيان. وجاءت نساؤهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقلن له: نعتزلهم؟! فقال: لا، ولكن لا يقربوكنّ.
فضاقت عليهم المدينة؛ فخرجوا إلى رؤوس الجبال. وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام، ولا يكلّمونهم. فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس، فهلّا نتهاجر نحن أيضاً؟ فتفرّقوا، ولم يجتمع منهم اثنان. وبقوا على ذلك خمسين يوماً يتضرّعون إلى الله، ويتوبون إليه، فقبل الله توبتهم؛ وأنزل فيهم هذه الآية: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[3].
قال الواقديّ: وقدم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة في رمضان سنة تسع[4]. فقال: الحَمْدُ لِلَّهِ على مَا رَزَقَنَا في سَفَرِنَا هَذَا مِنْ أجْرٍ وحَسَنَةٍ ومَنْ بَعْدَنَا شُرَكَاؤُنَا فِيهِ.
قالت عائشة: يا رسول الله! أصابكم السفر وشدّة السفر، ومَن بعدكم شركاؤكم فيه؟!
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنَّ بِالمَدِينَةِ لأقْوَاماً مَا سِرْنَا مِنْ مَسِيرٍ ولَاهَبَطْنَا وَادِيَاً إلَّا كَانُوا مَعَنَ، حَبَسَهُمُ المَرَضُ؛ أ ولَيْسَ اللهُ تعالى يَقُولُ في كِتَابِهِ: «ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً»[5]؟ فَنَحْنُ غُزَاتُهُمْ وهُمْ قَعَدَتُنَا[6]. والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَدُعَاؤُهُمْ أنْفَذُ في عَدُوِّنَا مِنْ سِلَاحِنَا!
وجعل المسلمون يبيعون سلاحهم ويقولون: قد انقطع الجهاد. فجعل القويّ منهم يشتريها لفضل قوّته. ف (لمّا) بلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فنهاهم عن ذلك وقال: لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِن امَّتِي يُجَاهِدُونَ على الحَقِّ حتّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ[7]
[1] «المغازي» للواقديّ، ج 3، ص 1049 إلى 1056. و ذكرها عليّ بن إبراهيم في تفسيره في ذيل الآية 46: وَ لَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، في ص 272. و في تفسير «الميزان» ج 9، ص 316 و 317 عن «تفسير القمّيّ».
[2] ذكر الواقديّ أسماء هؤلاء الثلاثة في «المغازي» أيضاً في باب الآيات الواردة في غزوة تبوك، ج 3، ص 1075.
[3] تفسير «مجمع البيان» ج 3، ص 79؛ و تفسير «الميزان» ج 9، ص 431 و 432 عن «مجمع البيان» و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 165؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 622 و 623 عن «مجمع البيان»؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 630 عن «تفسير العيّاشيّ»؛ و «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 282؛ و «أعيان الشيعة» ج 2، ص 199 ط 4؛ و «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 946 و 957؛ و كتاب «حياة محمّد» ص 433. و الآية هي 118، من السورة 9: التوبة.
[4] و كذلك ذكر ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 282.
[5] الآية 122، من السورة 9: التوبة.
[6] قَعَدَة يعني كثير القعود. و يقال قَعَد لمن لا يذهبون إلى الحرب. و أقعَدَهُ عَنِ الأمْرِ: حبسه عنه.
[7] «المغازي» ج 3، ص 1056 و 1057؛ و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 163؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 632 عن «دلائل النبوّة» للبيهقيّ؛ و «إعلام الوري» ص 131.