انّ بين الحياة الدنيويّة والحياة الاخروية حياة اخرى ، وهي الحياة البرزخية ، والآيات الدالّة على تلك الحياة متعددة ، وقد مرّ شطر منها ، وبقيت الاخرى ، منها : قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ...) (1) ؛ لأنّ البشارة بالذين لم يلحقوا بهم بعد القتل في سبيل الله والشهادة لا تكون إلّا في الحياة البرزخية.
ومنها : قوله تعالى : (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (2)؛ إذ التمنّي بعد القتل والدخول في الجنة بالنسبة إلى قومه الذين قتلوه ولم يسمعوا إرشاده وكانوا أحياء لا يكون إلّا في الحياة البرزخية ، قال بعض الأعلام ـ بعد نقل جملة من الآيات الدالّة على الحياة البرزخية ـ : ظاهر الآيات الكريمة أنّ الإنسان المؤمن بعد الموت يدخل الجنّة كما في قوله تعالى : (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وقوله تعالى : (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) وقوله تعالى: (وَادْخُلِي جَنَّتِي) وقوله تعالى: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)؛ لأنّ الظاهر الأمر بدخول الجنّة بعد موتهم لا يوم القيامة، بل قوله تعالى: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) صريح في أنّه في البرزخ لقوله تعالى: (قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ).
كما أنّ بعض الآيات الكريمة ظاهرة في المطلب ، وإن لم يذكر فيها لفظ الجنّة من أجل أنّ الرزق بكرة وعشيا ليس من صفات الجنّة الاصليّة ؛ لأن النعم فيها دائميّة، ولا بكرة فيها، ولا عشي ، لعدم الشمس وقتئذ كما يأتي إن شاء الله تعالى أنّ (فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) و «أنّ أُكُلُها دائِمٌ» وأنّ فواكهها (لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) و «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ و يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ» و (يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ) انتهى موضع الحاجة (3).
أقول : وقد دلّ بعض الآيات على أنّ الكفار كآل فرعون أيضا لهم حياة برزخية ، ويعذّبون فيها بكرة وعشيا ، فلا تختصّ الحياة البرزخية بالمؤمنين ، هذا مضافا إلى تواتر الأخبار بوجود الحياة البرزخية ، كالروايات الدالّة على السؤال في القبر وضغطة القبر والروايات الدالّة على أنّ القبر ، أمّا روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النيران ، والروايات الدالّة على أنّ الأموات بعد قبض الروح يتلاقون ، ويتعارفون ويتساءلون ، كما عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : «إذا مات الميت اجتمعوا عنده فاسألوه عمّن مضى وعمّن بقي ، فإن كان مات ولم يرد عليهم ، قالوا : قد هوى هوى ، ويقول بعضهم : دعوه حتى يسكن ممّا مرّ عليه من الموت» (4).
والروايات الدالّة على أنّ الأموات يأنسون بمن زار قبورهم ، ويدّعون في حقّ الأحياء ، والروايات الدالّة على أنّ أرواح المؤمنين قبل قيام الساعة في حجرات في الجنّة يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويتزاورون فيها ، ويقولون : ربّنا أقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا ، والروايات الدالّة على أنّ أرواح الكفّار في حجرات النار يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويتزاورون فيها ، ويقولون : ربّنا لا تقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا.
والروايات الدالّة على أنّ أرواح المؤمنين حشرهم الله إلى وادي السلام في ظهر الكوفة، وهم حلق حلق قعود يتحدثون.
والروايات الدالّة على مكالمة النبي أو الأئمة ـ عليهم صلوات الله ـ مع الأموات ، كما روي عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ : «أنّه وقف على قليب بدر فقال للمشركين الذين قتلوا يومئذ وقد ألقوا في القليب : لقد كنتم جيران سوء لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أخرجتموه من منزله وطردتموه ، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه ، فقد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فقال له عمر : يا رسول الله ما خطابك لهام قد صديت ، فقال له : مه يا ابن الخطاب فو الله ما أنت بأسمع منهم ، وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع الحديد إلّا أن اعرض بوجهي هكذا عنهم» (5) وغير ذلك من طوائف الأخبار.
ثم إنّ الظاهر من الأخبار أنّ الأرواح في عالم البرزخ يعيشون في قالب مثالي كأبدانهم ، كما ورد عن أبي ولّاد عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : «قلت له : جعلت فداك يروون أنّ أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش فقال : لا ، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير ، لكن في أبدان كأبدانهم» (6) وفي رواية اخرى : «فإذا قبضه الله عزوجل صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون ، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصور التي كانت في الدنيا» (7) فالحياة البرزخية مسلمة لا مجال للتشكيك فيها.
_______________
(1) آل عمران: 169 ـ 170.
(2) يس: 25 ـ 27.
(3) رسالة في المعاد : ج 2 ص 2 للعلّامة الحاج الشيخ ميرزا علي الاحمدي مد ظله وهي مخطوطة.
(4) رسالة في المعاد : ج 1 ص 44 نقلا عن الوافي : ج 3 ص 98 أبواب ما بعد الموت باب 110.
(5) بحار الانوار : ج 6 ص 254
(6) بحار الانوار : ج 6 ص 268.
(7) بحار الأنوار : ج 6 ص 270.