انّ حقيقة الموت ليست هي الانعدام والفناء، بل هي انقطاع ارتباط الأرواح مع الأبدان، والانتقال من الحياة الدنيويّة إلى الحياة البرزخية، وقد عرفت قيام الأخبار المتواترة جدا على بقاء الأرواح بعد الموت ، ووجود الحياة البرزخية ، وإليه يشير ما عن مولانا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «أيّها الناس إنّا خلقنا وإيّاكم للبقاء لا للفناء ، ولكنكم من دار تنقلون ، فتزودوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه ، والسلام» (1).
وما عن الحسن بن علي ـ عليهما السلام ـ حيث سئل: «ما الموت الذي جهلوه؟ أنّه قال: أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا عن جنّتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد» (2).
وما عن علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ أنّه قال: «لما أشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب، نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم، لأنّهم كلّما اشتد الأمر تغيّرت ألوانهم ، وارتعدت فرائصهم ، ووجلت قلوبهم ، وكان الحسين ـ صلوات الله عليه ـ وبعض من معه من خصائصهم تشرق ألوانهم ، وتهدأ جوارحهم ، وتسكن نفوسهم ، فقال بعض لبعض : انظروا لا يبالي بالموت ، فقال لهم الحسين ـ عليه السلام ـ :
صبرا بني الكرام فما الموت إلّا قنطرة يعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسطة ، والنعيم الدائمة ، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟! وما هو لأعدائكم إلّا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب ، أنّ أبي حدّثني عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : أنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ، وما كذبت ولا كذبت» (3) ، وقال أيضا في خطبته المعروفة : «خطّ الموت على ابن آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة» إلى آخرها ، مع أنّ الزينة بدون المتزين لا إمكان لها. وقيل لمحمّد بن علي ـ عليهما السلام ـ : «ما الموت قال : هو النوم الذي يأتيكم كلّ ليلة إلّا أنّه طويل مدته لا ينتبه منه إلّا يوم القيامة ، فمن رأى في نومه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره ومن أصناف الأهوال ما لا يقادر قدره ، فكيف حال فرح في النوم ووجل فيه ، هذا هو الموت فاستعدوا له» (4).
فالموت ليس إعداما للإنسان فإطلاق الإعدام والإفناء على بعض أنواع الموت لا يكون على سبيل الحقيقة ؛ إذ الأرواح باقية وتشخص الأشخاص بالأرواح ، فزيد باق ما دام روحه باقيا ؛ إذ البدن كالثوب فكما أنّ نزع الثوب لا يوجب سلب الزيدية عن زيد ، فكذلك نزع البدن لا يوجب ذلك ، ولذا كثيرا ما رأينا آباءنا أو امهاتنا أو أقرباءنا أو أصدقاءنا في المنام بعد مماتهم ونقول : رأيناهم ولا يكون إسناد الرؤية إليهم إسنادا مجازيّا ، وربّما يخبرونا بالواقعيات ، وبما يختصّ بهم ، ممّا لم يعلم به إلّا بهم ، فهذه آية وجودهم في الواقع من دون ريب وارتياب.
بل الموت وسيلة انتقال للإنسان وارتقائه وتخليصه عن الأوساخ والأقذار، وسبب نجاته عن سجن الدنيا وكدوراتها، وموجب لاستراحة المؤمن وإراحة الناس عن الكفّار والأشرار، وهو حقّ يأتي كلّ إنسان «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ».
______________
(1) بحار الأنوار : ج 73 ص 96.
(2) بحار الأنوار : ج 6 ص 154.
(3) بحار الأنوار : ج 6 ص 154.
(4) بحار الأنوار : ج 6 ص 155.