صدور الحكم من محكمة مشكلة تشكيلاً صحيحاً
المؤلف:
عطا عبد الحكيم احمد
المصدر:
دلالة القرائن القانونية على الحقيقة القضائية
الجزء والصفحة:
ص 108-111
2026-02-16
628
يشترط لوجود الحكم القضائي أن يصدر من محكمة مشكلة من عدد القضاة الذي يستلزمه القانون. من ذلك، توجب الفقرة الأولى من المادة (17) من قانون التنظيم القضائي العراقي النافذ والفقرة الأولى من المادة (15) من قانون السلطة القضائية لإقليم كوردستان العراق النافذ انعقاد محاكم الاستئناف من ثلاثة قضاة، وأوجب القانونان تشكيل كل هيئة من هيئات محكمة التمييز من العدد المحدد فيه. عليه، فلا تنعقد هذه المحاكم أو أية محكمة أخرى إذا كان عدد قضاتها يقل عما يستلزمه القانون، لذلك إذا صدر حكم من هيئة تضم قضاة عددهم أقل مما يطلبه القانون، سيكون الحكم معدوماً (1)، ولا يرتب أية حجية عليه، لأنه يعد كأنه صدر عن غير محكمة. وقد نص قانون المرافعات والتنفيذ اليمني صراحةً على ذلك، إذ نصّ في المادة (11) منه على أنه : " إذا كانت هيئة الحكم في المحكمة مشكلة من أكثر من قاض وجب اجتماعهم لنظر الدعوى والحكم فيها. ...". وفي المادة (15) منه نص على أنه : " يترتب على مخالفة المواد (11،....) من هذا الفصل إنعدام العمل القضائي وكل ما يترتب عليه. واعتمد القضاء الرأي المتقدم وقضى بانعدام الأحكام التي صدرت من هيئات مشكلة من عدد أقل مما يطلبه القانون(2).
وأحياناً قد يصدر الحكم من هيئة تضم قضاة عددهم أكثر مما يطلبه القانون، فهل يكون الحكم كذلك معدوماً وحاله كحالة وجود النقص في عدد قضاة الهيئة؟
لقد تباينت الآراء في الفقه والقضاء بصدد هذه المسألة؛ فهناك رأي(3) يذهب إلى أن الحكم سيكون باطلاً، لأنه في حالة زيادة عدد قضاة الهيئة، فإن الزيادة تتضمن التشكيل الذي نص عليه القانون (4).
وهناك رأي آخر (5) يذهب إلى أن الحكم سيكون معدوماً. لأن أصول التنظيم القانوني تقتضي وحدة القواعد القانونية المطبقة وعدم ازدواجيتها ، فإذا ترتب على نقص أعضاء هيئة المحكمة انعدام الحكم وجب أن يترتب نفس الأثر في زيادة عدد أعضاء الهيئة. ويبدو لنا الرأي الثاني هو الأفقه لوجاهة مبرراته، وفضلاً عن ذلك فان التكوين العددي لهيئة المحكمة يتعلق بقواعد التنظيم القضائي، فيجب أن لا يسمح للقضاء بمخالفة قواعد تنظيمه في الوقت الذي أنيط به تطبيق قواعد القانون وحمايتها.
وإذا كان يلزم لوجود الحكم القضائي صدوره من محكمة مشكلة من عدد من القضاة الذين يتطلبهم القانون يجب كذلك أن تتوفر صفة القاضي في عضو هيئة المحكمة أو أعضائها، فإذا لم يتمتع أي عضو من أعضاء المحكمة بهذه الصفة أصلاً أو زالت عنه، كما لو صدر الحكم من شخص لم يكن قاضياً أو صدر من قاض لم يحلف اليمين القانونية (6) أو أحيل إلى التقاعد أو كان محجوراً عليه أو مسحوب اليد، فإن ما يصدر عنه من أحكام ستكون معدومة ولا تتمتع بحجية الشيء المقضي به (7). وكذلك يكون معدوماً الحكم الصادر من قاض لم يكن قد انتدب إلى المحكمة التي أصدرت الحكم (8) وسبب انعدام الحكم في الحالات المتقدمة، هو أن القاضي كان فاقداً ولاية القضاء أو أنه لم يكن يملكها أصلاً.
ولا ولاية لقاض غير مسلم في الفصل في النزاعات المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين، ولاسيما المسائل التي تطبق فيها أحكام الشريعة الإسلامية عليه فإذا صدر حكم في هذه القضايا من قاض غير مسلم سيكون منعدماً. وبناءً على ذلك أوجبت الفقرة الثانية من المادة (28) من قانون التنظيم القضائي العراقي والفقرة الثانية من المادة (27) من قانون السلطة القضائية لإقليم كوردستان العراق أن يكون قاضي محكمة البداءة الذي يقوم بعمل قاضي محكمة الأحوال الشخصية مسلماً، إذا لم يكن لهذه المحكمة قاض خاص مسلم. وقد كرست محكمة النقض المصرية هذا المبدأ، حيث قضت بأنه من الأصول المقررة في الشريعة الإسلامية استمداداً من الكتاب والسنة- فإذا خلف هذا الحظر- بأن فصل قاضي غير مسلم أو اشترك في الفصل بين المسلمين في الدعاوى التي تطبق فيها أحكام الشريعة الإسلامية كان هذا الحكم منعدماً لأنه لا ولاية له في الفصل في هذه الدعاوي(9).
_____________
1- ينظر : محمد العشماوي ود عبدالوهاب العشماوي قواعد المرافعات في التشريع المصري والمقارن، ج2، مكتبة الآداب الجمامير ، 1958 ، بند 1073، ص688؛ منير القاضي شرح قانون أصول المرافعات المدنية والتجارية، مرجع سابق، ص 280؛ د. رمضان ابراهيم العلام الحكم القضائي المعدوم ، ط 1 ، مكتبة الوفاء القانونية، الأسكندرية، 2013، ص 61؛ د. محمود السيد التحيوي، أثر حضور المدعى عليه في انعقاد الخصومة القضائية طبقاً لقانون المرافعات المدنية والتجارية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الأسكندرية، 2003، ص 136؛ القاضي إبراهيم المشاهدي، معين المحامين، ج 1، بلا مكان وتأريخ النشر ، ص 34 القاضي عادل بدر علوان قرار الحكم المعدوم مكتبة الصباح القانونية، بغداد، 2017، ص 26.
2- ينظر : قرار محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 100 جلسة 1997/3/19 ، مجموعة أحكام النقض، س48، ص 521؛ قرار محكمة التمييز الكويتية، 1997/1/19 و 2001/12/2، مشار إليهما لدى: د. محمد سعيد عبدالرحمن الحكم القضائي، مرجع سابق، ص 40.
3- د. أحمد أبو الوفا، نظرية الأحكام في قانون المرافعات ط6 ، منشأة المعارف، الأسكندرية، 1989، ، بند 137، ص 323؛ القاضي ابراهيم المشاهدي، معين المحامين ج 1 مرجع سابق، ص 33؛ شهاب أحمد ياسين انعدام الأحكام، ط1 المكتبة القانونية بغداد 2010، ص 16؛ محكمة النقض المصرية، طعن رقم 221 ، جلسة 1972/5/18 ، مجموعة أحكام النقض، س 23، ص959، مشار إليه لدى : د. رمضان ابراهيم العلام، مرجع سابق، ص 62.
4- د. رمضان ابراهيم العلام الحكم القضائي المعدوم ، ط 1 ، مكتبة الوفاء القانونية، الأسكندرية، 2013، ص 62-63.
5- د. محمد سعيد عبد الرحمن الحكم القضائي أركانه وقواعد إصداره ، ط 1 ، منشورات الحلبي الحقوقية، بیروت، لبنان، 2011 ،بند 29، ص 44؛ محكمة النقض المصرية، طعن رقم 100، جلسة 1997/3/19، سبق الإشارة إليه.
6- تنص الفقرة الثانية من المادة (36) من قانون السلطة القضائية لإقليم كوردستان النافذ على أنه: " لا يمارس القاضي أعماله إلا بعد أدائه اليمين التالية أمام رئيس مجلس القضاء ... ..
7- ينظر: د. وجدي راغب، مباديء الخصومة المدنية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1978 ، ص 33؛ القاضي ابراهيم المشاهدي، معين المحاميين، ج 1، مرجع سابق، ص 34.
8- وقد نص قانون المرافعات والتنفيذ اليمني في المادة (9) منه على أنه: " يتقيد القاضي في ولايته للقضاء طبقاً لقرار تعيينه أو ندبه أو نقله إلا ما استثنى بنص خاص في هذا القانون". وفي المادة (15) منه رتب على مخالفة المادة (9) انعدام العمل القضائي وآثاره.
9- نقض مصري، طعن رقم 135، جلسة 1975/11/19، مجلة القضاة، س 31، ص 414، مشار إليه لدى د. محمد سعيد عبد الرحمن الحكم القضائي أركانه وقواعد إصداره ، ط 1 ، منشورات الحلبي الحقوقية، بیروت، لبنان، 2011، ص 104.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاثبات
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة