معنى التحريف [1]
يطلق لفظ التحريف ويراد به منه عدة معان على سبيل الاشراك فبعض منها واقع في القرآن باتفاق من المسلمين وبعض منها لم يقع فيه باتفاق منهم أيضا وبعض منها وقع الخلاف فيما بينهم واليك تفصيل ذلك :
الأول: نقل الشيء عن موضعه وتحويله الى غيره ومنه قوله تعالى :
{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46].
ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله فإن كل من فسر القرآن بغير حقيقته وحمله على غير معناه فقد حرفه وترى كثيرا من أهل البدع والمذاهب الفاسدة قد حرفوا القرآن بتأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم.
وقد ورد المنع عن التحريف بهذا المعنى وذم فاعله في عدة من الروايات منها:
رواية (الكافي) بإسناده عن الباقر عليه السلام أنه كتب في رسالته الى سعد الخير:
....وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده فهم يرونه ولا يرعونه والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية ..الوافي 3/ 274 أبواب القرآن وفضائله.
الثاني: النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات مع حفظ القرآن وعدم ضياعه وإن لم يكن مميزا في الخارج عن غيره.
والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعا فقد أثبتنا فيما تقدم [2] عدم تواتر القراءات وأما غيرها فهو إما زيادة في القرآن وإما نقيصة فيه.
الثالث: النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين مع حفظ التحفظ على نفس القرآن المنزل.
والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام وفي زمان الصحابة قطعا ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه.
وهذا يدل على أن هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه وإلا لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها.
وقد ضبط جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف منهم: عبد الله بن أبي داود السجستاني وقد سمى كتابه هذا بكتاب (المصاحف) وعلى ذلك فالتحريف واقع لا محالة إما من عثمان أو من كتاب تلك المصاحف ولكنا سنبين بعد هذا إن شاء الله تعالى: أن ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين الذي تداولوه عن النبي صلى الله عليه وآله يدا بيد.
فالتحريف بالزيادة والنقيصة إنما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان. وأما القرآن الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة. وجملة القول: إن من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف كما هو الصحيح فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الأول إلا أنه قد انقطع في زمان عثمان وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبي صلى الله عليه وآله.
وأما القائل: بتواتر المصاحف بأجمعها فلا بد له من الالتزام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المنزل وبضياع شيء منه.
الرابع: التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة مع التحفظ على القرآن المنزل والمتسالم على قراءة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) إياها.
والتحريف بهذا المعنى أيضا واقع في القرآن قطعا فالبسملة مثلا – مما تسالم المسلمون على أن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) قرأها قبل كل سورة غير سورة التوبة.
وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنة. فاختار جمع منهم أنها ليست من القرآن بل ذهبت المالكية الى كراهة الاتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة إلا اذا نوى بها المصلي الخروج من الخلاف وذهب جماعة أخرى الى أن البسملة من القرآن. وأما الشيعة الامامية فهم متسالمون على جزئية البسملة من كل سورة غير سورة التوبة واختار هذا القوم جماعة من علماء السنة أيضا.....واذا فالقرآن المنزل من السماء قد وقع فيه التحريف يقينا بالزيادة أو بالنقيصة.
الخامس: التحريف بالزيادة بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل. والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين بل هو مما علم بطلانه بالضرورة.
السادس: التحريف بالنقيصة بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء فقد ضاع بعضه على الناس.
والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون[3].
[1] علماء الشيعة الامامية الذين ألفوا في فقه القرآن ينكرون التحريف وكذلك علماء التفسير وأما علماء الحديث والرجال من الشيعة فإنهم قائلون بتمحيص الروايات حتى في كتب الحديث المعتبرة عندهم (*). وأما فقهاء الشيعة ومؤلفو آيات الاحكام فهم يحتجون بالقرآن وذلك إذ عنا مهم بحجية القرآن وصيانته من التحريف وأهم من هؤلاء جميعا علماء الكلام ومؤلفو الفلسفة الإسلامية والحكماء منهم الذين دونوا عقائد الشيعة بالأصول العلمية والفلسفية يرفضون الرأي القائل: بتحريف القرآن رفضا باتا بل إنهم في مقام الاستدلال على الإمامة والخلافة يستدلون بآيات من القرآن الكريم.
(*) راجع معجم رجال الحديث الجزء الأول.
قال الراغب الاصبهاني: وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على غيره قال عز وجل: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46]
{مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } [المائدة: 41] {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة: 75].(المفردات في غريب القران ص114).
[2] انظر: البيان في تفسير القرآن ص158 طبع بيروت تحت عنوان: أدلة تواتر القراءات.
[3] البيان في تفسير القرآن ص200 طبع بيروت.