شرح الأبيات (572 ــ 576)
المؤلف:
شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي
المصدر:
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث للعراقي
الجزء والصفحة:
ج3، ص 66 ــ 75
2026-01-24
538
(572) وَاكْتُبْ ثَنَاءَ اللَّهِ وَالتَّسْلِيمَا ... مَعَ الصَّلَاةِ لِلنَّبِيِّ تَعْظِيمَا
(573) وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ ... خُولِفَ فِي سَقْطِ الصَّلَاةِ أَحْمَدْ
(574) وَعَلَّهُ قَيَّدَ بِالرِّوَايَهْ ... مَعَ نُطْقِهِ كَمَا رَوَوْا حِكَايَهْ
(575) وَالْعَنْبَرِيُّ وَابْنُ الْمَدِينِيُّ بَيَّضَا ... لَهَا لِإِعْجَالٍ وَعَادَا عَوَّضَا
(576) وَاجْتَنِبِ الرَّمْزَ لَهَا وَالْحَذْفَا ... مِنْهَا صَلَاةً أَوْ سَلَامًا تُكْفَى
[الْحَثُّ عَلَى كِتْبَةِ ثَنَاءَ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ]:
(وَاكْتُبْ) أَيُّهَا الْكَاتِبُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَكِّدِ (ثَنَاءَ اللَّهِ) تَعَالَى كُلَّمَا مَرَّ لَكَ ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: كَعَزَّ وَجَلَّ، أَوْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْ نَحْوِهُمَا، «فَفِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ حَسْبَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي (الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ) وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه [وآله] وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ مَدَحْتُ رَبِّي بِمَحَامِدَ وَمَدْحٍ وَإِيَّاكَ فَقَالَ: (أَمَا إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ) وَفِي لَفْظٍ (الْمَدْحَ)» الْحَدِيثَ.
(وَ) كَذَا اكْتُبْ (التَّسْلِيمَا مَعَ الصَّلَاةِ لِلنَّبِيِّ) صلى الله عليه [وآله] وسلم كُلَّمَا مَرَّ ذِكْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه [وآله] وسلم تَعْظِيمًا لَهُمَا وَإِجْلَالًا، لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِهِ كُلَّمَا ذُكِرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً الطَّحَاوِيُّ، بَلْ وَالْحَلِيمِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَائِينِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، إِنْ أُثْبِتَ فِي الرِّوَايَةِ كُلٌّ مِنَ الثَّنَاءِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، (وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ) مِنْهَا (فِي الْأَصْلِ) الْمَسْمُوعِ لِعَدَمِ التَّقَيُّدِ بِهِ فِي حَذْفِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ ثَنَاءٌ وَدُعَاءٌ تُثْنِيهِ لَا كَلَامَ تَرْوِيهِ، وَلَا تَسْأَمْ مِنْ تَكْرِيرِهِ عِنْدَ تَكَرُّرِهِ، بَلْ وَضُمَّ إِلَيْهَا التَّلَفُّظَ بِهِ لِنَشْرِ تَعَطُّرِهِ، فَأَجْرُهُ عَظِيمٌ، وَهُوَ مُؤْذِنٌ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ.
قَالَ التُّجِيبِيُّ: وَكَمَا تُصَلِّي عَلَى نَبِيِّكَ صلى الله عليه [وآله] وسلم بِلِسَانِكَ كَذَلِكَ تَخُطُّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِبَنَانِكَ مَهْمَا كَتَبْتَ اسْمَهُ الشَّرِيفَ فِي كِتَابٍ، فَإِنَّ لَكَ بِذَلِكَ أَعْظَمَ الثَّوَابِ. ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ الَّذِي بَيَّنْتُهُ فِي (الْقَوْلِ الْبَدِيعِ) الَّذِي تُعْرَفُ بَرَكَتُهُ، وَرَجَوْتُ ثَمَرَتَهُ، وَإِنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ قَالَ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ لَا مَرْفُوعًا. وَلَفْظُهُ: "مَنْ صَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي كِتَابٍ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ غُدْوَةً وَرَوَاحًا مَا دَامَ اسْمُ رَسُولِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ". وَلِذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْحَدِيثِ فَائِدَةٌ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه [وآله] وسلم فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ. بَلْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِمَّا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ صلى الله عليه [وآله] وسلم قَالَ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ ابْنُ حِبَّانَ: ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَكُونُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه [وآله] وسلم مَنْ كَانَ أَكْثَرَ صَلَاةً عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا.
ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ: فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانٌ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه [وآله] وسلم فِي الْقِيَامَةِ يَكُونُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ؛ إِذْ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ أَكْثَرُ صَلَاةً عَلَيْهِ مِنْهُمْ. وَكَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: هَذِهِ مَنْقَبَةٌ شَرِيفَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا رُوَاةُ الْآثَارِ وَنَقَلَتُهَا لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِعِصَابَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه [وآله] وسلم أَكْثَرَ مِمَّا يُعْرَفُ لَهَا نَسْخًا وَذِكْرًا.
وَقَالَ أَبُو الْيَمَنِ بْنُ عَسَاكِرَ: لِيَهْنِ أَهْلَ الْحَدِيثِ - كَثَّرَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ - هَذِهِ الْبُشْرَى، وَمَا أَتَمَّ بِهِ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْفَضِيلَةِ الْكُبْرَى ؛ فَإِنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِنَبِّيهِمْ صلى الله عليه [وآله] وسلم، وَأَقْرَبُهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسِيلَةً ؛ فَإِنُّهُمْ يُخَلِّدُونَ ذِكْرَهُ فِي طُرُوسِهِمْ، وَيُجَدِّدُونَ الصَّلَاةَ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ بِمَجَالِسِ مُذَاكَرَتِهِمْ وَتَحْدِيثِهِمْ وَمُعَارَضَتِهِمْ وَدُرُوسِهِمْ، فَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ شِعَارُهُمْ وَدِثَارُهُمْ، وَبِحُسْنِ نَشْرِهِمْ لِآثَارِهِ الشَّرِيفَةِ تَحْسُنُ آثَارُهُمْ. إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ الَّذِيِ أَوْدَعْتُهُ مَعَ كَلَامِ غَيْرِهِ فِي مَعْنَاهُ، وَمَنَامَاتٍ حَسَنَةٍ صَحِيحَةٍ.
مِنْهَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ قِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: رَحِمَنِي وَغَفَرَ لِي، وَزُفِفْتُ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا تُزَفُّ الْعَرُوسُ، وَنُثِرَ عَلَيَّ كَمَا يُنْثَرُ عَلَى الْعَرُوسِ. وَإِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ "الرِّسَالَةِ" مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه [وآله] وسلم، وَمِنْهَا أَنَّهُ صلى الله عليه [وآله] وسلم قَالَ: «مَنْ كَتَبَ بِيَدِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه [وآله] وسلم كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» فِي الْكِتَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ.
(وَقَدْ خُولِفَ فِي سُقْطِ الصَّلَاةِ) وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه [وآله] وسلم الْإِمَامُ (أَحْمَدْ) فَإِنَّهُ حَسْبَمَا رَآهُ الْخَطِيبُ بِخَطِّهِ يَكْتُبُ كَثِيرًا اسْمَ النَّبِيَّ صلى الله عليه [وآله] وسلم بِدُونِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْعَنْبَرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
قَالُ ابْنُ الصَّلَاحِ (وَعَلَّهُ) ؛ أَيْ: لَعَلَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ (قَيَّدَ) ؛ أَيْ: تَقَيَّدَ فِي الْإِسْقَاطِ (بِالرِّوَايَهْ) لِالْتِزَامِهِ اقْتِفَاءَهَا، فَحَيْثُ لَمْ يَجِدْهَا فِي أَصْلِ شَيْخِهِ وَعَزَّ عَلَيْهِ اتِّصَالُهَا فِي جَمِيعِ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الرُّوَاةِ لَا يَكْتُبُهَا تَوَرُّعًا مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِي الرِّوَايَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، كَمَذْهَبِهِ فِي مَنْعِ إِبْدَالِ النَّبِيِّ بِالرَّسُولِ وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْمَعْنَى، لَكِنْ (مَعَ نُطْقِهِ) بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ إِذَا قَرَأَ أَوْ كَتَبَ (كَمَا رَوَوْا)؛ أَيِ: الْمُحَدِّثُونَ كَالْخَطِيبِ وَمَنْ تَابَعَهُ ذَلِكَ عَنْهُ (حِكَايَةً) غَيْرَ مُتَّصِلَةِ الْإِسْنَادِ، فَإِنَّ الْخَطِيبَ قَالَ: (وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ صلى الله عليه [وآله] وسلم نُطْقًا) .
وَالتَّقَيُّدُ فِي ذَلِكَ بِالرِّوَايَةِ هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي (الِاقْتِرَاحِ): وَالَّذِي نَمِيلُ إِلَيْهِ أَنْ نَتْبَعَ الْأُصُولَ وَالرِّوَايَاتِ، فَإِنَّ الْعُمْدَةَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِخْبَارُ مُطَابِقًا لِمَا فِي الْوَاقِعِ، فَإِذَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ هَكَذَا وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لَمْ تَكُنِ الرِّوَايَةُ مُطَابِقَةً لِمَا فِي الْوَاقِعِ، وَلِهَذَا أَقُولُ: إِذَا ذَكَرَ الصَّلَاةَ لَفْظًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَصْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصْحَبَهَا قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، مِثْلَ كَوْنِهِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ عَنِ النَّظَرِ فِي الْكِتَابِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِ، وَيَنْوِي بِقَلْبِهِ أَنَّهُ هُوَ الْمُصَلِّي لَا حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَتَبَهَا وَلَمْ تَكُنْ فِي الرِّوَايَةِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا.
وَعَلَيْهِ مَشَى الْحَافِظُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْيُونِينِيِّ فِي نُسْخَتِهِ بِالصَّحِيحِ الَّتِي جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ حَيْثُ يُشِيرُ بِالرَّمْزِ إِلَيْهَا إِثْبَاتًا وَنَفْيًا.
عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَلَّا يَكُونَ تَرْكُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كِتَابَتَهَا لِهَذَا، بَلِ اسْتِعْجَالًا، كَمَا قَيَّدْتُهُ عَنْ شَيْخِنَا، لِكَوْنِهِ فِي الرِّحْلَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مَعَ عَزْمِهِ عَلَى كِتَابَتِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ ضَرُورَتِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ، لَا سِيَّمَا (وَ) عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ (الْعَنْبَرِيُّ) نِسْبَةً لِبَنِي الْعَنْبَرِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ.
(وَابْنُ الْمَدِينِيُّ) نِسْبَةً لِلْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ لِكَوْنِ أَصْلِهِ مِنْهَا، هُوَ عَلِيٌّ، فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ، كَمَا رَوَاهُ النُّمَيْرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ (بَيَّضَا) فِي كِتَابِهِمَا (لَهَا) أَيْ: لِلصَّلَاةِ أَحْيَانًا (لِإِعْجَالٍ وَعَادَا) بَعْدُ (عَوَّضَا) بِكِتَابَةِ مَا كَانَ تَرَكَهُ لِلضَّرُورَةِ لِمُلَازَمَتِهِمَا فِعْلَهَا فِي كُلِّ حَدِيثٍ سَمِعَاهُ، كَانَ فِي الرِّوَايَةِ أَمْ لَا، وَالْإِمَامُ أَجَلُّ مِنْهُمَا اتِّبَاعًا، مَعَ مَا رَوَى ابْنُ بَشْكُوَالٍ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرٍ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ خَالِيَ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَلِيٍّ، لَوْ رَأَيْتَ صَلَاتَنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه [وآله] وسلم فِي الْكُتُبِ كَيْفَ تُزْهِرُ بَيْنَ أَيْدِينَا!.
[كَرَاهَةُ الرَّمْزِ لِلصَّلَاةِ]:
(وَاجْتَنِبْ) أَيُّهَا الْكَاتِبُ (الرَّمْزَ لَهَا) أَيْ: لِلصَّلَاةِ عَلَى رُسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه [وآله] وسلم فِي خَطِّكَ، بِأَنْ تَقْتَصِرَ مِنْهَا عَلَى حَرْفَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَتَكُونَ مَنْقُوصَةً صُورَةً، كَمَا يَفْعَلُهُ الْكِسَائِيُّ وَالْجَهَلَةُ مِنْ أَبْنَاءِ الْعَجَمِ غَالِبًا وَعَوَامُّ الطَّلَبَةِ، فَيَكْتُبُونَ بَدَلًا عَنْ صلى الله عليه [وآله] وسلم : ص، أَوْ صم، أَوْ صلم، أَوْ صلعم، فَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْصِ الْأَجْرِ لِنَقْصِ الْكِتَابَةِ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَتَصْرِيحُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ بِالْكَرَاهَةِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ. وَقَدْ رَوَى النُّمَيْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ نُسْخَةً مِنْ (الْمُوَطَّأِ) وَتَأَنَّقَ فِيهَا لَكِنَّهُ حَذَفَ مِنْهَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه [وآله] وسلم حَيْثُ مَا وَقَعَ لَهُ فِيهِ ذِكْرٌ، وَعَوَّضَ عَنْهَا: ص، وَقَصَدَ بِهَا بَعْضَ الرُّؤَسَاءِ مِمَّنْ يَرْغَبُ فِي شِرَاءِ الدَّفَاتِرِ، وَقَدْ أَمَّلَ أَنْ يَرْغَبَ لَهُ فِي ثَمَنِهِ، وَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ فَحَسَّنَ مَوْقِعَهُ، وَأُعْجِبَ بِهِ، وَعَزَمَ عَلَى إِجْزَالِ صِلَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَنَبَّهَ لِفِعْلِهِ ذَلِكَ فِيهِ، فَصَرَفَهُ وَحَرَمَهُ وَأَقْصَاهُ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُحَارِفًا مُقَتِّرًا عَلَيْهِ، لَكِنْ وُجِدَ بِخَطِّ الذَّهَبِيِّ وَبَعْضِ الْحُفَّاظِ كِتَابَتُهَا هَكَذَا صَلَّى اللَّهُ عَلَمْ، وَرُبَّمَا اقْتَفَيْتُ أَثَرَهُمْ فِيهِ بِزِيَادَةِ لَامٍ أُخْرَى قَبْلَ الْمِيمِ مَعَ التَّلَفُّظِ بِهِمَا غَالِبًا، وَالْأَوْلَى خِلَافُهُ.
[الْكَلَامُ عَلَى إِفْرَادِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ]:
(وَ) كَذَا (اجْتَنِبِ الْحَذْفَا) لِوَاحِدٍ (مِنْهَا صَلَاةً أَوْ سَلَامًا) حَتَّى لَا تَكُونَ مَنْقُوصَةً مَعْنًى أَيْضًا (تُكْفَى) بِإِكْمَالِ صَلَاتِكَ عَلَيْهِ مَا أَهَمَّكَ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ وَدُنْيَاكَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِ ذَلِكَ أَيْضًا خِلَافَ الْأَوْلَى، لَكِنْ قَدْ صَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِكَرَاهَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى: عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَطْ، وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ بَشْكُوالٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَوْتَى.
وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي "الْأَذْكَار" وَغَيْرِهِ بِكَرَاهَةِ إِفْرَادِهِمَا عَنِ الْآخَرِ مُتَمَسِّكًا بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِمَا مَعًا فِي الْآيَةِ، وَخَصَّ ابْنُ الْجَزَرِيِّ الْكَرَاهَةَ بِمَا وَقَعَ فِي الْكُتُبِ مِمَّا رَوَاهُ الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِهِ خِلَافُ الرِّوَايَةِ، قَالَ: فَإِنْ ذَكَرَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه [وآله] وسلم فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ. مَثَلًا، فَلَا أَحْسَبُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ. وَأَمَّا شَيْخُنَا فَقَالَ: إِنْ كَانَ فَاعِلُ أَحَدِهِمَا يَقْتَصِرُ عَلَى الصَّلَاةِ دَائِمًا فَيُكْرَهُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْلَالِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ بِالْإِكْثَارِ مِنْهُمَا، وَالتَّرْغِيبُ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي تَارَةً وَيُسَلِّمُ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَلَمْ أَقِفْ عَلَى دَلِيلٍ يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى؛ إِذِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَبٌّ لَا نِزَاعَ فِيهِ. قَالَ: وَلَعَلَّ النَّوَوِيَّ اطَّلَعَ عَلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ لِذَلِكَ، وَإِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا. انْتَهَى.
وَيَتَأَيَّدُ مَا خَصَّ شَيْخُنَا الْكَرَاهَةَ بِهِ بِوُقُوعِ الصَّلَاةِ مُفْرَدَةً فِي خُطْبَةِ كُلٍّ مِنَ: " الرِّسَالَةِ " لِإِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ وَ " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، وَ " التَّنْبِيهِ " لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَبِخَطِّ الْخَطِيبِ الْحَافِظِ فِي آخَرِينَ، وَإِلَيْهَا أَوْ إِلَى بَعْضِهَا الْإِشَارَةُ، بِقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: (وَإِنْ وُجِدَ فِي خَطِّ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ).
وَلَمَّا حَكَى الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ وَجَدَهُ بِخَطِّ الْخَطِيبِ فِي "الْمُوَضَّحِ" قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ، وَقَدْ قَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ: كُنْتُ أَكْتُبُ الْحَدِيثَ، فَكُنْتُ أَكْتُبُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّبِيِّ: " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ "، وَلَا أَكْتُبُ: وَسَلَّمَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه [وآله] وسلم فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: " مَا لَكَ لَا تُتِمُّ الصَّلَاةَ عَلَيَّ؟ " فَمَا كَتَبْتُ بَعْدُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ. إِلَّا كَتَبْتُ: وَسَلَّمَ. رَوَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالرَّشِيدُ الْعَطَّارُ وَالذَّهَبِيُّ فِي تَارِيخِهِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: (أَمَا تَخْتِمُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ فِي كِتَابِكَ؟) كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَهْ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ: كُنْتُ أَكْتُبُ لَفْظَ الصَّلَاةِ دُونَ التَّسْلِيمِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه [وآله] وسلم فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي: (لِمَ تَحْرِمُ نَفْسَكَ أَرْبَعِينَ حَسَنَةً؟ قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَ ذِكْرِي تَكْتُبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَا تَكْتُبُ: وَسَلَّمَ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ، كُلُّ حَرْفٍ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ؟ قَالَ: وَعَدَّهُنَّ صلى الله عليه [وآله] وسلم بِيَدِهِ، أَوْ كَمَا قَالَ). رَوَاهُ أَبُو الْيَمَنِ بْنُ عَسَاكِرَ.
[الصَّلَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ]:
وَكَذَا يُسْتَحَبُّ كِتَابَةُ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ نَبِيِّنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَالتَّرَضِّي عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَسَائِرِ الْأَخْيَارِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَفِي " تَارِيخِ إِرْبِلَ " لِابْنِ الْمُسْتَوْفِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ عَنْ تَخْصِيصِهِمْ عَلِيًّا [عليه السّلام] بـ"كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ" فَرَأَى فِي الْمَنَامِ مَنْ قَالَ لَهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لِصَنَمٍ قَطُّ.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة