الأمينيّ بينَ الغديرِ والكُتُبِ

تذهبُ الشخوصُ بأجسادِها لتبقى حيةً بآثارِها وترتفعُ عن عالمِ النسيانِ لترتقي بالخلودِ في الذاكرة ِوالوجدانِ ، وهذا الخلودُ مؤطرٌ بما يُقدّمهُ الإنسانُ ، فيبقى يُذكرُ بعدَهُ على قوّةِ المنجزِ ومدى إخلاصِ صانعهِ ، فكُلُّنا نَصِفُ الأمينيَّ بصاحبِ الغدير.

وُلِدَ الشيخُ عبدُ الحُسينِ الأمينيّ في مدينةِ (تبريز) في عشرينياتِ القرنِ الماضي وعاشَ وسطَ أسرةٍ يسودُ أجواءَها العلمُ والتقوى والخلقُ الرفيعُ ، و يرجِعُ لقبُ الأمينيّ لوالدهِ الشيخِ أحمد،  الذي كانَ يُلقَّبُ بأمينِ الإسلامِ  ، فتأثَّرَ الشيخُ بوالدهِ عِلماً وسلوكاً، ودرسَ في رَيعانِ شبابهِ في مدرسةِ الطالبيةِ، ولما اشتدَّ عودُهُ انتقلَ الى مدينةِ النجفِ الأشرفِ؛ ليمكُثَ هناكَ مُتعلّماً على يدِ السيدِ أبي تُرابٍ الخونساريّ والميرزا أبي الحسنِ المشكينيّ ، وبعدَ بلوغِهِ مرتبةً ساميةً من العلمِ عادَ الى موطنهِ، إلا أنّهُ سرعانَ ما رجعَ إليها رجوعَ المتلهّفِ المشتاقِ، فبلغَ درجةَ الإجتهادِ ونالَ الإجازاتِ من أساطينِ الفقهِ والأصولِ والحديثِ ، أمثالِ السيدِ أبي الحسن الأصفهانيّ  والشيخ مُحمد حُسين الأصفهانيّ وآغا بزرك الطهرانيّ .

كانَ الشيخُ الأمينيُّ يتمتعُ بروحيةٍ عاليةٍ ويحرصُ على التهجُّدِ والتعبُّدِ، فكانَ يقرأُ كلَّ يومٍ جزءاً كاملاً من القرآنِ ، ويواصلُ صلاةَ الليلِ بصلاةِ الصبحِ، وبذلكَ يبدأُ يومَهُ فيحضرُ طلابُهُ منذُ الصباحِ وحتى الظُهرِ ، وبعدَ الظهرِ يواصلُ قراءتَهُ وتحقيقَهُ الى منتصفِ الليلِ ، يقولُ أحدُ أولادهِ الكرام: كانَ كثيرَ الزيارةِ للحرمِ العلويِّ الشريفِ ، فإذا استأذنَ بالزياراتِ المنصوصةِ ودخلَ الحرمَ المُطهّرَ تنكّرَ لكلِّ أحدٍ وهيمنَ عليهِ الخضوعُ والخشوعُ ، والكآبةُ والحزنُ ، جلسَ قُبالةَ وجهِ الإمامِ (سلامُ اللهِ عليهِ) ، وبدأَ ببعضِ ألفاظِ الزياراتِ المعهودةِ مخاطباً مولاهُ بكلماتِهِ ، والدموعُ تسيلُ على لحيتهِ الكريمةِ ، لا تنقطعُ حتى يُبارحَ ذلكَ المشهدَ المقدسَ.

إنَّ صفاءَ روحِهِ وخُلُقَهُ الرفيعَ ترجَمَهُ في علاقاتِهِ معَ الناسِ، فقد كانَ يهتمُّ بالفقراءِ وبعضَ الأحيانِ يبحثُ عنهم ولا يرتفعُ عن الناسِ أبداً ، وتلكَ من سيَّرِ الأعلامِ ونوادرِ الزمانِ.

وللشيخِ الأمينيّ قلمٌ رائعٌ وبيانٌ جميلٌ إضافةً لكونهِ يتمتعُ بمهارةِ التحقيقِ التي قلَّ نظيرُهُ فيها ، وظهرَ ذلكَ في مؤلَّفِهِ الشهيرِ (الغديرُ في الكتابِ والسُّنةِ والأدبِ) ، فيُعدُّ من أكبرِ الموسوعاتِ التي تناولتْ حديثَ الغديرِ وأشبعتهُ تحقيقاً وبحثاً؛ فهوَ الكتابُ الفريدُ في بابهِ وموضوعهِ ، ولمّا شرعّ في تأليفهِ انقطعَ الشيخُ الى البحثِ  وأوقفَ تدريسَهُ وتركَ كلَّ الشواغلِ الأخرى ، وصارَ يتجوَّلُ في كلِّ مكانٍ من أجلِ الحصولِ على المصادر فيطارِدُها، حتى وإن كانتْ في أبعدِ نقطةٍ ، فقد طالعَ وبحثَ في آلافِ المصادرِ والأبحاثِ وجالتْ عينُهُ على الكتبِ الإسلاميةِ كلِّها ، فجعلَ عهداً على نفسِهِ أن يصرِفَ على هذا العملِ ستةَ عشرَ ساعةً في اليومِ الواحدِ ، فكانَ لا يفرحُ في تلكَ الأيامِ إلا إذا عثرَ على مصدرٍ أو حصلَ على نتيجةٍ ، وإذا ما سألنا عن الكتبِ التي طالعَها الشيخُ الأمينيّ فسيكونُ الجوابُ أنَّ العلّامَةَ قد طالعَ مكتباتٍ  كاملةً  وليسَ مؤلفاتٍ معدودةً  ، فلم يكنِ الغديرُ إلا بعدَ هذهِ الجهودِ الكبيرةِ من قِبَلِ شيخِنا الأمينيّ ، ولعلَّ واحدةً من تلكَ الجهودِ أنّهُ سافرَ في أحدِ الأيامِ الى الأعظميةِ من أجلِ الحصولِ على كتابٍ يتعلقُ بهِ بحثُهُ ، فيقصُّ علينا قائلاً: "دخلتُ المكتبةَ وشاهدتُ الغبارَ على جميعِ أجزائِها ، والكتبُ مبعثرةً هنا وهناك، وكأنَّها مهجورةٌ ولم يمسُّها أحدٌ منذُ زمنٍ،  فتركني صاحبُ المنزلِ وحدي ونزلَ، وعندَ ذلكَ فتحتُ حزامي، ووضعتُ عمامتي وقِبائي فيها، وغطيتُها من الغبارِ، وابتدأتُ بتنظيفِ الكتبِ وإزالةِ الغبارِ عنها، وكانَ الجوُّ شديدَ الحرارةِ وكنتُ أتصببُ عَرقاً، وحيثُ لا مروحةٌ ولا ماءٌ ولا طعامٌ، واختلطَ الغبارُ بالعَرقِ، وغطى المزيجُ وجهيَ وأطرافي، وأنا مشغولٌ بمطالعاتي واستنساخي حتى العَصر، في تلكَ اللحظةِ طُرقَتِ البابُ وجاءَ صاحبُ الدارِ والنعاسُ في عينيهِ، فاستحى حينَ رآني في تلكَ الحالةِ، ثمَّ تعجّبَ أني ما زلتُ هنا !!كيفَ وبلا ماءٍ ولا وضوءٍ ولا طعامٍ" .

ومن خلالِ خبرةِ العلّامةِ  في المكتباتِ ومراجعتهِ لها فكّرَ بتأسيسِ مكتبةٍ عامّةٍ للباحثينَ والقرّاء، بعدَ أنْ كانتِ المكتباتُ شخصيةً ومحدودةً، فكانَ ذلكَ في عامِ خمسةٍ وخمسينَ وتسعمئةٍ وألفٍ ميلادية ، وأطلقَ عليها مكتبةَ الإمامِ أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ)، فقد بذلَ مجهوداتٍ كبيرةً من أجلِ أن تصلَ الى الغايةِ التي كانَ ينشُدُها ، وهيَ اليومَ عامرةٌ زاهيةٌ بمصادرَ ومخطوطاتٍ نفيسةٍ ، تأخذُ لبَّ القارئِ والمطالعِ وتُدهِشُ من يدخلُها أولَ مرّةٍ وكأنّها لوحةٌ مرسومةٌ من وحي الخيالِ ، لِما تَلمَسُهُ من إبداعٍ وأصالةٍ وجمالٍ ، فإنَّكَ تتجولُ بينَ آلافِ العقولِ المختلفةِ، ورائحةُ الكتبِ تأخذُكَ حيثُ عالمِ العقلِ والفكرِ . يقولُ الحاج حُسين الشاكريّ: "تحوي المكتبةُ اليومَ على أكثرِ من نصفِ مليونَ عنوانٍ، تقعُ في المدينةِ القديمةِ (سوقِ الحويش) وتبعُدُ قليلاً عن حرمِ أميرِ المؤمنينَ(عليهِ السلامُ)" ، وبذلكَ يكونُ العلّامةُ قد صنعَ شعلةَ نورٍ تضيءُ طريقَ الباحثينَ والعاشقينَ لرائحةِ الكتبِ والمخطوطاتِ.

الأعوامُ التي تربو على السبعينَ عاشَها العلامةُ الأمينيُّ وكأنَّها لحظاتٌ، فالتحقَ بركبِ الماضينَ بعدَ عطاءٍ كبيرٍ في الرابعَ عشرَ من حزيران عامَ سبعينَ وتسعمئةٍ وألفٍ ميلادية  ، ودُفِنَ في النجفِ الأشرفِ.

المزيد

إتصل بنا

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 4483