إشارات ولطائف حول السنن الإلهية
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص305-310
2026-06-20
67
1- السنة الإلهية الواحدة في الأمم: السنة الإلهية محفوظة من أي اختلاف ومصانة ضد أي عجز ومعنى هذا القول المنسجم والدقيق هو عدم وجود حكمين مختلفين أو حكمتين متضادتين في الظروف المشابهة والأوضاع المتساوية في جميع أبعادها لأن منشأ الكثرة وسبب ظهور الاختلاف نابع من المخلوق لا الخالق. أما الهدف من تعدد أسماء الله سبحانه وتكثر صفاته تعالى فهو المماشاة مع الاحتياجات المختلفة في الظروف المتباينة وليس تقديم أجوبة متضادة لسؤال واحد والمقصود بالسؤال في هذا المجال هو السؤال بلسان الحال ولسان الاستعداد: (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ[1]).
ويمكن ملاحظة هذه الوحدة في الانبياء العظام عليهم السلام وفي الامم على حد سواء وهذا مشهود أيضا من حيث الجمال والرحمة ومن حيث الجلال والغضب في آن واحد.
وفيما يلي نماذج من السنن المشار اليها: سنة الله سبحانه الواحدة في الوحي الى الأنبياء وهو ما يمكننا استنباطه من الاية الشريفة في قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ[2]) وقوله عز وجل: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[3])، إذ تشير هذه الفئة من الايات بوضوح الى وحدة السنة الالهية في أص الايحاء والمضمون المشترك لذلك الوحي أما مايقال عن تعدد المنهاج واختلاف الشريعة مثل قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا[4])، فإن ذلك أيضا بنطبق مع تعدد الظروف واختلاف الاوضاع في الخلق الذين يتوقعون الى المناهج والشرائع المتعددة بلسان استعدادهم أو أن من يوحى اليهم هم أخوة في النبوة والرسالة والولاية وأن الاختلاف فيما بينهم إنما هو في درجة ومنزلة كل واحد منهم في النوبة والرسالة وهذا لا يتنافى مع تساويهم في أصل هذا المنصب.
ثم سنة الله تعالى الواحدة في أمم الأنبياء من حيث الجمال والرحمة وهو ما يمكن استنتاجه من الاية التي نقوم بتفسيرها وما شابهها من الايات الاخرى إذ إن ذلك يمثل علامة للعناية الإلهية المشتركة بالنسبة اليهم جميعا. وحول وحدة الدين والقيادة والتبعية (أي المثلث المقدس المتمثل بالدين والرسول والتابع) تتحدث الاية الشريفة: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ[5])، عن أن ذلك كله نتيجة الوحدة في السنة الإلهية كما أن الوحدة الشيطانية كانت موجودة كذلك في آراء الملحدين والمنافقين والمفسدين وهو مابينه لنا القرآن الكرين قائلا: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[6]).
وبالإمكان استنباط السنة الإلهية الموازية من حيث الجلال والغضب والتنقية والتصفية في الوحي من ذيل الاية الشريفة المذكورة وكذلك قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [7])، بينما نستطيع استنتاج الجزء المتعلق ببني إسرائيل خاصة من الاية الشريفة (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ[8])، وما يخص قوم مدين من الاية الشريفة: (أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ[9]).
2- كتابة وتعيين القضاء والقدر: من جهة ووضع التشريع وكتابته من جهة أخرى وفقا لهندسة الرحمة الإلهية حيث تتسع هذه الرحمة لتشمل في ثناياها الرحمة والغضب بنسبة متساوية لعدم وجود الغضب المحض والمطلق في هندسة الخلق إطلاقا وما نراه ونلاحظه من الغضب إنما هو نسبي لا نفسي ولذلك فأحينا ينظر من منظار الرحمة المطلقة وفي هذه الحالة تنسب صيغة الفعل المعلوم الى الله سبحانه سواء تضمن الغضب النسبي أو القياسي أم لم يتضمن – وأحيانا أخرى ينظر من نافذة الرحمة الخاصة وفي هذه الحالة كذلك غالبا ما تنسب صيغة الفعل المعلوم الى الله تعالى دون أن يصحب ذلك أي غضب وعندما يلاحظ وجود غضب نسبي وقياسي فتارة تستخدم صيغة الفعل المجهول وتارة أخرى يستعمل الفعل المعلوم.
ويمكننا ايجاد نماذج وشواهد على ماقلنا في الرحمة والغضب النسبي في الايات التالية: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وهي تمثل الرحمة المطلقة و(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي[10]) و(كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ[11]) و(فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ[12]) وتمثل الرحمة الخاصة وقوله تعالى: وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا[13]) و(كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا[14]) ويشير الى الغضب النسبي.
ووردت صيغة المجهول أيضا في الايتين الشريفتين التاليتين حول الرحمة الخاصة: (وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ[15]) و(وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ[16]).
وفيما يتعلق بموضوع القصاص الذي فيه حق ورحمة الى ولي الدم والتكليف والغضب القياسي بالنسبة للجاني (القاتل) فقد نزلت الاية: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ[17]) بصيغة المجهول والآية: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ[18]) بصيغة المعلوم.
وحول موضوع الجهاد والقتال الذي يصطبغ بصيغة الغضب النسبي فقد نزلت الايتان: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ[19]) و(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ[20]) بصيغة المجهول كذلك ثم الاية: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ[21]) ففي هذه الاية الشريفة لم يتم الحديث عن مسألة القتال بشكل صريح وواضح لتكون كتابته بصيغة المعلوم وفي نفس الوقت لم يكن هناك بد من القتال وإراقة الدماء بعد الدخول الى المنطقة الممنوعة كما يقال ولهذا قال بنو إسرائيل لسيدنا موسى كليم الله عليه السلام: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ[22]).
وأما السر في إسناد مثل هذا التشريع المضر والشاق في الظاهر إلى الله سبحانه فيمكن في أن ذلك يشبه سور يوم القيامة الذي: (بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ[23]) ويمكننا استظهار هذا الوضع وما شابهه من الاية الشريفة: (فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [24])، وذلك لأن قتل النفس يبدو مضرا وشاقا في الظاهر لكن باطنه هو امتثال للخير والرحمة.
والنتيجة الحاصلة من ذلك هي أن إسناد الصريح من الاحكام الشاقة الى الله عز وجل لا يتنافى مع رحمته الواسعة اطلاقا، اسناد غير الصريح من الاحكام المذكورة بصيغة المجهول اليه سبحانه لا يدل على قسوة مضمون تلك الاحكام بتاتا وبهذا الشرح يمكن الحكم على ماقاله أبو حيان الاندلسي في تفسيره البحر المحيط[25].
[25] راجع: البحر المحيط: 2 / 28 .
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة