الأيمان التي تصدر عن اللسان على نوعين:
1. تلك اليمين التي تكون من سنخ سبق اللسان، ولا يتعلّق بها نتيجة ذلك أي حكم تكليفي أو وضعي؛ لأنّ مثل هذا القول لا يعد فعلاً للشخص أصلاً، لا عمداً ولا شبه عمد ولا خطأ، وإذا كان الفعل أو القول ليس منسوباً إلى الشخص بواحد من هذه الوجوه الثلاثة، فلا يترتب عليه أي حكم.
2. تلك اليمين التي لا تكون من سنخ سبق اللسان وهي منسوبة إلى الشخص الحالف.
فلو كانت مقترنة بالجدية مع كسب القلب والعقيدة الداخلية؛ كان لهـا حكمها الفقهي الخاص.
وإن كانت لغواً ولهواً ولعباً وما شابه ذلك، فيما أنها ليست جدية ولا قلبية من حيث اليمين، فلا يترتب عليها أثر اليمين التكليفي أو الوضعي. وبما أنهـا جدية من حيث نفس اللغو واللهو واللعب (بمعنى الهزل في الهزل جد) فيترتب عليها حكمها الخاص بها، لا حكم محتواها. أي إنّه لا يترتب عليها حكم القسم، كما أن دعوة القرآن للامتناع عن اللغو واللهو واللعب سوف تكون شاملة لها، ونهيه عن جعل الله عُرضة للأيمان يمكن أن يكون متضمناً لها.
ويتضح من التقابل بين (اللغو) و(الكسب) وضوحاً كاملاً أن لا أثر للتخلّف في اليمين (اللغوية)، بينما يكون مؤثراً في اليمين (الكسبية). ولا يمكن لهذا التفاوت أن يكون مانعاً من اندراج اليمين اللغوية ضمن (العرضة) المذكورة في الآية السابقة.
وتقضي الآية (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ) [المائدة: 89] أيضاً بانعدام العقاب على التخلّف عن الأيمان اللغوية التي لا تفتقر إلى القصد القلبي، أما الأيمان التي تُعقد من باب العمد والجد القلبـي فيترتب العقاب على التخلف عنها.
ويتحقق العقد القلبي عندما يقوم الشخص بعقد الصلة بين ما تصوّره وصدقه وبين روحه، ثمّ يؤمن بهذه الواقعية؛ حينها يصير صاحب عقيدة. وإلّا فإنّ الشخص الذي يتصوّر الموضوع والمحمول من الناحية العلمية فقط، ويعقد الصلة بينهما، ما هو إلا عالم غير معتقد.
ومن هنا سميت القضية (عقداً) لوجود الصلة المعقودة بين الموضوع والمحمول فيها. فلو أنّ عصارة القضبة قد ارتبطت بعقدة مع قلـب الشخص، فهذا العقد الثاني يجلب الاعتقاد، وعندها يمكن القول إن الشخص الفلاني لـه عقيدة بالمطلب الفلاني.
وعلى هذا الأساس، فإن الحنث بالأيمان العمدية والجدية التي يكون مضمونها من جهة الأداء أو الترك راجحـاً أو غير مرجوح، أو أداء الأيمان الكاذبة القاصدة إلى أبطال الحق أو إحقاق الباطل والتي ليست مجردة لقلقة لسان، كلاهما يستتبعان العقاب الإلهي، حتى لو كانت مرة واحدة ولا يشملها عنوان العرضة المذكورة في الآية السابقة.
وفي المقابل تكون الأيمان اللغوية التي لا تفتقر إلى العقد القلبـي بـل يـكـون منشؤها التقاليد والعادات السيئة أو في حالة الغضب الشديد، أو أن الشخص في حالة ارتياحه الشديد وسروره المفرط يعطي وعداً ويؤكده باليمين ثم لا يفي به، فكل ذلك لا عقاب ولا أثر فقهي له، لأنها لا تفتقر إلى الإنشاء أصلاً، أو لانعدام الاختيار فيها نتيجة الإفراط في الغضب أو السرور.
تنبيه: اليمين المشروعة يجب أن تكون بخصوص الاسم الإلهي، أي (الله)، إلا أن القسم غير المؤثر الذي لا ينعقد، لو كان بالصورة التي يكون القسم فيها مصداقاً لجعل الله عُرضة، فهو حتماً مشمول لِلنهي المذكور؛ لأنّ المعيار هو الهتك الإلهي.
والفرق بين الجد واللغو يكون في اليمين المعهودة الشرعية، أي القسم بالله وإلا فاليمين غير المعهودة الشرعية لا فرق بين جدّها ولغوها، ولا أثـر شـرعـيّ لأي واحدة منهما.
ولما كان القسم من سنخ (الإنشاء)، انعدم احتمال الصدق والكذب في القسم نفسه، أما الجد واللغو فيحتملان فيه.