_روى الكليني بإسناده عن الباقر والصادق عليهما السلام في قول الله عز وجل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ...) [البقرة: 243] فقال: إن هؤلاء أهل مدينـة من مدائن الشام، وكانوا سبعين ألف بيت، وكان الطاعون يقع فيهم في كل أوان، فكانوا إذا أحسوا به خرج من المدينة الأغنياء لقوتهم، وبقي فيها الفقراء لضعفهم. فكان الموت يكثر في الذين أقاموا ويقل في الذين خرجوا. فيقول الذين خرجوا لو كنا أقمنا لكثر فينا الموت.
ويقول الذين أقاموا: لو كنا خرجنا لقل فينا الموت. قال: فاجتمع رأيهم جميعاً أنه إذا وقع الطاعون فيهم وأحوا به، خرجوا كلهم من المدينة. فلما أحسوا بالطاعون خرجوا جميعاً وتنحـوا عن الطاعون؛ حذر الموت. فساروا في البلاد ما شاء الله. ثمّ إنّهم مرّوا بمدينة خربة قد جلا أهلها عنها وأفناهم الطاعون، فنزلوا بها. فلما حطوا رحالهم واطمأنوا بها قال لهم الله عز وجل: موتوا جميعاً. فماتوا من ساعتهم وصاروا رميما يلوح، وكانوا على طريق المارة، فكنستهم المارّة فنحوهم وجمعوهم في موضع. فمرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له حزقيل. فلما رأى تلك العظام بكى واستعبر وقال: يا رب لو شئت لأحييتهم الساعة كما أمتهم فعمروا بلادك وولدوا عبادك وعبدوك مع من يعبدك من خلقك؟
فأوحى الله إليه: أفتحب ذلك؟ قال: نعم يا رب. فأحياهم الله.
قال: فأوحى الله عز وجل إليه أن قل كذا وكذا. فقال الذي أمره الله عزّ وجل أن يقوله.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: وهو الاسم الأعظم.
فلما قال حزقيل ذلك الكلام نظر إلى العظام يطير بعضها إلى بعض، فعادوا أحياء ينظر بعضهم إلى بعض، يسبحون الله عزّ ذكره ويكبرونه ويهللونه. فقال حزقيل عند ذلك: أشهد أن الله على كل شيء قدير.
قال عمر بن يزيد: فقال أبو عبد الله عليه السلام: فيهم نزلت هذه الآية[1].
_عن ابن عبّاس في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) [البقرة: 243] يقول: عدد كثير خرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه. ثمّ أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم؛ فلذلك قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 244] وهم الذين قالوا لنبيهم: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 246][2].
_عن الصادق :عليه السلام (حديث طويل يذكر فيه نيروز الفرس، وفيه): ثم إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل سأل ربه أن يحيي القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله فأوحى اليه أن صب الماء في مضاجهم فصب عليهم الماء في هذا اليوم فعاشوا وهم ثلاثون ألفا فصار صب الماء في اليوم النوروز سنة ماضية لا يعرف سببها إلا الراسخون في العلم[3].
تنويه: أ. جاء في الحديثين الاخيرين المنقولين عن الامامين الباقر والصادق عليهما السلام أنهما قالا إن هؤلاء القوم لم يموتوا مباشرة بعد احيائهم مجددا وعودتهم الى الدنيا بل عاشوا سنوات طويلة ولم يغادروا هذه الدنيا إلا ببلوغ آجالهم[4].
وأما اعتبار الخبر الثاني فيأتي بناء على كونه رواية لا دراية ابن عباس نفسه وإلا فيجب خروجه عن البحث الروائي.
ب. وردت ثلاث روايات حول الآية التي هي مورد البحث إحداها حول الطاعون عن السدي والثانية عن ابن عباس حول ملك من ملوك بني اسرائيل الذي دعا للقتال والثالثة حول النبي حزقيل الذي دعا قومه الى الجهاد...[5] .
وقد قال بعض المتأخرين حول رواية السدي إنه هو محمد بن مروان الكوفي المفسر الكذاب كما ذكر ذلك عنه ابن جرير وآخرون غيره لا اسماعيل السدي التابعي الذي يوثقه أحمد ويضعفه ابن معين[6].
ويرى القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أن أصح الاقوال وأشهرها هو قصة الخروج من المدينة هربا من الوباء[7]، كما أن الطبري يرى أن محور الآية هو الترغيب بالجهاد، إذ لا فائدة في الفرار من الموت[8]، أما الزخمشري فيرى أن هدف الآية هو الترغيب بالجهاد[9].
ج. لو كانت الروايات موافقة لظاهر الآية لاستحكم الاطمئنان بصحة صدورها من جهة ولصارت مؤيدة لظاهر الآية من جهة آخرى.
وفي فروع الدين التي تختص بالأعمال يمكن الاعتماد على الروايات والتعبد بها وتستمد الرواية اعتبارها من خلال العمل بالأصول العقلائية كأصالة عدم الغفلة وأصالة عدم السهو وأصالة عدم النقيصة وأصالة عدم الزيادة وأمثال ذلك ومن هنا فهي وإن كانت لا تثمر اليقين لكنها حجة ومعتبرة أما في الامور العقائدية التي يجب حصول الجزم فيها فالظن المعتبر في مقام العمل لا يكفي ولا يعد دليلا علميا وإن كان يمكن أخذه بنظر الاعتبار في حدود الظن.
والذي نخلص اليه هو: 1. لزوم تحصيل اليقين في الأصول الاعتقادية.
2. أما المطالب العلمية الاخرى التي ليست في عداد الأصول الإعتقادية. فإذا أثبت الدليل المعتبر لدى العقلاء شيئا ما أمكن إسناده الى الاسلام بنفس الحد والدرجة اللتين ثبت بهما.
3. وفي الفروع العملية يكون الظن المعتبر مماثلا للقطع في الحجة الشرعية ويتحتم أن يترتب عليه ما يناسبه من عمل.
[1] الكافي، ج 8، ص198-199.
[2] الدر المنثور، ج 1، ص 743.
[3] عوالي اللآلئ ج3 ص41 تفسير كنز الدقائق ج1ص579
[4] راجع تفسير كنز الدقائق ج1 ص579 الاحتجاج ج2 ص231
[5] التفسير الكبير مج3 ج6 ص162-163
[7] الجامع لأحكام القرآن مج2 ج3 ص211
[9] الكشاف عن حقائق التنزيل ج2 ص290