(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) [البقرة: 243].
خلاصة التفسير: تخاطب هذه الاية الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) فتقول له: هل نظرت ببصيرتك الى أولئك الآلاف من الناس الذين فروا في العصور السابقة من بيوتهم ومدينتهم خوفا من مرض الطاعون قاصدين اللجوء الى مناطق آمنة فأماتهم الله موتا جماعيا ثم أحياهم كي يواصلوا حياتهم ويدركوا أن الحياة والموت مرتبطان بالمشيئة الالهية لا بما يتوهمونه من الاسباب.
إن إماتة وإحياء هذه المجموعة هما تفضل من الله على الناس لان الله بهذا العمل يكون قد أوضح للجميع جواب ما يمكن أن يشار من تساؤل حول إمكانية الرجعة والحياة بعد الموت وإن كان أكثر الناس لا يشكرون الله على ما ينعم به عليهم.
تفسير المفردات: ألوف: (الألوف) جمع للعدد (ألف) وهو مشتق من الإلف والألفة بمنعى الاجتماع المقترن بالالتئام والسر في تسمية العدد بالألف يكمن في أن جميع فئات العدد مؤتلفة فيه ومجتمعة لأن الاعداد أربع فئات الآحاد والعشرات والمئات والألوف والجميع قد ائتلف في الألف وكل عدد يجيء بعده هو تكرار لهذه الاعداد[1].
و( الألوف) تدل على مايزيد على عشرة آلاف نفر لأن وزن (فعول) يدل على جمع الكثرة أما التعبير عن العدد الذي يقل عن عشرة آلاف نفر فيكون باستخدام صيغة (آلاف) على وزن (أفعال)[2]: (أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ) [آل عمران: 124] (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: 125].
ويمكن أن تكون (ألوف) جمع (آلف) مثل مفردة (شهود) التي هي جمع (شاهد) وفي هذه الحالة يكون معنى (وهم آلوف) أي القوم الذين بينهم أنس وألفة[3].
ولا شك في أن اجتماع الصفتين أمر معقول بمعنى أن تكون هناك مجموعة تزيد على عشرة آلاف نفر يعيشون في ما بينهم بأنس وألفة.
تناسب الآيات: بعد بيان بعض الاحكام التكليفية الخاصة بالشؤون العائلية كالنكاح والطلاق والأمر بالمحافظة على الصلاة تأتي الاشارة في الاية التي هي مورد البحث الى قصة عجيبة من قصص المعاد كي تكون عبرة للمستمعين وتحث الجميع على الطاعة والانقياد والمحافظة على العبادة والعمل الصالح من أجل المعاد وترك المخاصمة مع دين الله والالتزام بإيفاء حقوق العباد.
وجدير بالذكر أن هذه الآية مقدمة لبيان أحكام القتال التي ستأتي في الآيات التالية[4]، فهي من هذه الجهة حلقة وصل جيدة مع ما سيأتي لاحقا اذ لا فائدة في الخوف من الموت الذي لا ينفع الفرار منه ولا أفضل للإنسان من أن يقاوم الظالمين المعتدين.
[1] مفردات ألفاظ القرآن ص81-82 أ ل ف.
[3] لسان العرب ج9 ص11 أ ل ف.
[4] راجع تفسير البحر المحيط ج2 ص258 التفسير المنير مج1-2 ص411 الاساس في التفسير ج1 ص569