عُثر في منطقة النبتة على تراكماتٍ ضخمةٍ من العظام الحيوانية لماشية كثيرة، بلغ ارتفاع تلك التراكمات حوالي مترين أو يزيد من العظام الحيوانية، ويبدو أنها كانت نتاجَ تراكمات سنوات عديدة، ولربما كانت تلك العظام لثيران وأبقار، كانت تُنحر وتُقدَّم كقرابين في توقيت معيَّن من كل عام، مما يشير إلى وجود صلات عقائدية معينة ربطت ما بين تلك الحيوانات وبين الآلهة التي تجلب الخير والأمطار لسكان هذا المكان. وتُؤرَّخ تلك التراكمات بالعصر الحجري الحديث (1).
نلاحظ هنا مدى الارتباط الفكري والعقائدي بالثيران والأبقار في مصر، بدءًا من العصر الحجري الحديث — في نبتة — وحتى عصر ما قبل الأسرات — بالهمامية — ذلك الاهتمام الذي تبلور في اتباع نفس التقاليد الخاصة بالتضحية بالثيران والأبقار، وتكويمها في أكوام عظمية بالجبَّانة.
وفي جبَّانة شمال الهمامية (2)، ⋆ عُثر على عدد من الأكوام العظمية — حوالي 13 كومًا — الشكلان رقم 1 - 2 كانت لتراكماتٍ عظمية لحيوانات من الفصيلة البقرية، تشبه ما جاء في جبَّانة النبتة — قد تكون تراكماتٍ عظمية لصغار الثيران والأبقار، ولقد لوحظ أنَّ جماجم تلك الحيوانات كانت تحتفظ بالاتجاه الشرقي، فيما عدا خمس جماجم كانت قد اتجهت إلى الشمال، ويصعُب تفسير الغرض من وراء تكويم تلك العظام بهذه الطريقة. هذا وتُؤرَّخ تلك الأكوام العظمية بعصرِ ما قبل وقبيل الأسرات، كانت جماجم الحيوانات هي أعلى شيء في تلك الدفنات، وغير معروف حتى الآن مدى صلة هذه الأكوام العظمية بالدفنات الآدمية التي كانت بالجبَّانة، إلا أنه يمكن اعتبارها «تضحياتٍ حيوانية» (3).
ويتضح من خلالِ ما عُثر عليه بجبَّانة البداري مدى الاهتمام بتزويد المقبرة بالمتاع الجنائزي وتغطيتها بالحصير، وذلك كما جاء في الشكل رقم 3.
وفي هيراكونبوليس، الشكل رقم 4 عُثر على العديد من دفنات الأبقار، لا سيما بالجبَّانة HK6؛ ففي المقبرة رقم 2 عُثر على خمسٍ من دفنات الماشية التي اشتملت على اثنين من الثيران، واثنتين من الأبقار وعجلٍ صغير، كانت الحيوانات قد رقدت على حصيرٍ من الخوص، وعُثر على آثارٍ لمادة عضوية سوداء، ربما كان لها علاقة بحفظ جسم الحيوان كما في الشكل رقم 5 (4). وفي المقبرة رقم 36 بهيراكونبوليس عُثر على دفنةٍ لبقرة وعجل صغير 5، هذا وإلى الجنوب الغربي من المقبرة رقم 2 عُثر على العديد من التراكمات العظمية للأنواع الحيوانية الثلاثة، وذلك في المقبرة رقم 7 التي تُؤرَّخ تقريبًا بنقادة III، وثبَت من دراسة تلك البقايا العظمية أنها كانت لاثنين من الثيران البالغة واثنتين من الأبقار وعجل صغير، جاءت تلك البقايا العظمية في ثلاثة مستويات. وفي المقبرة رقم 8 عُثر على بقايا عظمية لثلاثة حيوانات من الفصيلة البقرية واثنين لحيوانات بالغة، والثالث صغير السن (5).
وفي حلوان، عُثر في المقبرة رقم 385ح4 بالجبَّانة الملكية، على دفنة حيوانية اشتملت على بقايا عظمية لأكثر من ثور، وُضعت تلك البقايا العظمية في طبقاتٍ بعضها فوق بعض (6).
وترى الدارسة في تفسير الغرض من العثور على مثل هذه الدفنات الجماعية للثيران والأبقار أنها إشارة إلى أهميتها الاقتصادية على وجه الخصوص؛ إذ كان المصريون القدماء يتفاخرون بامتلاكِ الثيران والأبقار، وكان أصحاب الضِّياع في عصر الدولة القديمة يُعنون بتربية أعداد لا حصر لها من الثيران، بل وكانوا يصوِّرون على جدران مقابرهم قطعانَ الماشية موضَّحة بالأرقام الدالة على عددِ ما يملكه صاحب المقبرة لينعمَ بها في آخرته.

شكل 1: الكوم رقم 219 – دفنات ثيران، جبَّانة البداري. Brunton, G., Thompson, C., The Badarian Civilization and Predynastic Remains Near Badari, London, 1928,

شكل 2: دفنة من جبَّانة البداري يتضح بها مدى الاهتمام بتزويد المقبرة بالمتاع الجنائزي وتغطيتها بالحصير.

شكل 3: دفنة جماعية لحوالي 12 نوعًا من الماشية بأعمار مختلفة. المقبرة رقم 49 بهراكونبوليس. http://www.archaeology.org/interactive/hierakonpolis/animals.html.

شكل 4: دفنة جماعية لحوالي 12 نوعًا من الماشية بأعمار مختلفة. المقبرة رقم 49 بهراكونبوليس. http://www.archaeology.org/interactive/hierakonpolis/animals.html.

شكل 5: أجزاء من فك بقرةٍ عُثر عليها بالجبَّانة HK6، ويلاحظ بها وجود لفائف كتانية مما يدل على وجود نوع من الحفاظ على جسم الحيوان. Warman, S., “How Now, Large Cow” in: NN, vol. 12, 2000, pp. 8-9.

شكل 6: دفنة البقرة والعجل الصغير بالمقبرة رقم 36 بهيراكونبوليس. http://www.archaeology.org/interactive/hierakonpolis/animals.html.
.......................................
(1) Davies, V., and Friedman, R., Egypt, London, 1998, p. 18; Hoffman, M. A., Op. Cit., pp. 218-219.
من الجدير بالذكر أنه كان قد عُثر في النبتة أيضًا على تكويناتٍ صخرية من الميجاليث والتومولو، عُثر أسفلها على دفناتٍ لماشية، لا سيما في الموقع رقم E-75-8 الذي أشار بوضوح إلى اعتبار النبتة مركزًا دينيًّا وجنزيًّا هامًّا.
Wendorf, F., and Schild, R., 1998, p. 116.
(2) ⋆ تقع تلك الجبَّانة شمال منطقة الهمامية، بنحو 14كم جنوب أخميم، محافظة سوهاج.
(3) Brunton, G., and Caton-Thompson, C., 1928, p. 91.
«نلاحظ هنا مدى الارتباط الفكري والعقائدي بالثيران والأبقار في مصر بدءًا من العصر الحجري الحديث — في نبتة — وحتى عصر ما قبل الأسرات — بالهمامية — ذلك الاهتمام الذي تبلور في اتباع نفس التقاليد الخاصة بالتضحية بالثيران والأبقار، وتكويمها في أكوامٍ عظيمة بالجبَّانة».
(4) Adams, B., Ancient Nekhen, London, 1995, p. 53; Van Neer, W., and Linseele, V., and Friedman, R. F., “Animal Burials and Food Offerings at the Elite Cemetery HK6 of Hierakonpolis,” in Hendrickx, S., edit, Egypt at its origins studies in memory of Barbara Adams, Paris, 2004, p. 72 .
(5) Adams, B., excavation in the locality 6 cemetery at Hierakonpolis, Oxford, 2000, pp. 33-34; Van Neer, W., and Linseele, V., and Friedman , R. F., Op. Cit., p. 72 .
(6) زكي يوسف سعد، «الحفائر الملكية بحلوان، الفن والحضارة في الأسرتين الأولى والثانية»، القاهرة 1952م، ص 36-37.