على هذا النحو، ونتيجة للصراع الدبلوماسي الممتد (الذي كانت الحرب التي خاضها جيش الحلفاء ضد محمد علي من 1840 إلى 1841م امتدادًا لها) انتهى الصراع التركي المصري بانتصار السلطان. لم يكن لهزيمة جيش السلطان على يد قوات محمد علي (في يونيو 1839م) أي انعكاس على نتائج القرارات الدبلوماسية. لقد حصل محمد علي على حق الوراثة لأسرته في حكم مصر، ولكن بالشروط التي عرضها عليه السلطان عدة مرات من قبل ورفضها محمد علي في حينه. بقيت مصر في نطاق الإمبراطورية العثمانية، لكن حدود سلطة الحكم الذاتي لها تقلصت بشكل ملحوظ.
كان دور الدبلوماسية التركية في فترة الصراع الذي امتد عدة سنوات من أجل الوصول إلى هذا الحل دورًا بارزًا. كان هناك اتجاهان داخل الحكومة، الأول وهو لم يُدرس بعد دراسة كافية، وكان يميل إلى التحالف مع روسيا ويرتبط بمعاهدة أونكيار إيسكيليسي. وكان أشهر ممثليه خسرو باشا وأحمد فوزي باشا وعاكف باشا.
لقد أتاح التحالف الروسي التركي دعم الوضع الراهن في العلاقات مع محمد علي، وهيأ الفرصة للمفاوضات المباشرة معه. من المحتمل أن يكون أنصار التوجه الروسي قد عوَّلوا على مساعدة أكثر فعالية من جانب روسيا، وحيث إن روسيا لم تقدم هذه المساعدة، سواء بسبب معارضة دول أوروبا الغربية، أو بسبب عدم اهتمامها بتقوية الإمبراطورية العثمانية، فقد نجح خصوم التوجه الروسي في الانتصار على أنصار هذا التوجه.
كان مصطفى رشيد هو الروح الملهمة للاتجاه الثاني داخل حكومة السلطان، وهذا الاتجاه هو الذي اختار التوجه الإنجليزي، ونجح أنصاره في عقد التحالف الإنجليزي التركي الذي أخذ منحى هجوميًّا ضد محمد علي، كما نجح في تحييد فرنسا (أو أضعف من تأييدها لمحمد علي)، ثم رفض التوجه الروسي بداية من النصف الثاني للثلاثينيات. لقد وقفت الالتزامات الدبلوماسية لإنجلترا، إلى جانب معارضة كل من فرنسا وروسيا، حائلًا في طريق قيام التحالف الإنجليزي التركي، ولهذا لم يكن من السهل على الدبلوماسية التركية أن تنجز المهام التي وضعتها أمامها.
إن كون الباب العالي على امتداد الثلاثينيات لم يستجب لرغبة دول أوروبا الغربية، ولم يعقد معها معاهدة جماعية على غرار معاهدة أونكيار إيسكيليسي، قد شدد من المنافسة بين هذه الدول وبين روسيا، مما أدى في النهاية إلى إعادة النظر في معاهدة كوتاهية.
لقد كان من نتائج العلاقات الودية القائمة بين الباب العالي وروسيا، وهي العلاقات التي كانت تُثير قلق أوروبا الغربية، أن دفعت إنجلترا إلى تأييد السلطان ضد محمد علي بشكل أكثر فعالية مما قامت به روسيا. أما موقف فرنسا السلبي من معاهدة أونكيار إيسكيليسي فلم يسمح لها بمساعدة مساعي محمد علي في الحصول على الاستقلال.
وعلى الرغم من أن إنجلترا بدءًا من النصف الثاني من الثلاثينيات كانت قد حزمت أمرها على تأييد السلطان، لا محمد علي، فقد كان على الدبلوماسية التركية أن تبذل جهودًا جبارة لإنشاء علاقة ثقة بين الدولتين وأن توعز لإنجلترا أن مساعدتها للسلطان سوف تُحقق لها ما ترجوه من فائدة. وكان سبيل تركيا لتحقيق ذلك هو التنازل لصالح التجارة الإنجليزية عام 1838م، ورفض طلب المساعدة من روسيا.
لقد نجحت الدبلوماسية التركية في تحييد فرنسا في الصراع التركي المصري مستغلة في ذلك التناقضات الفرنسية الروسية والفرنسية الإنجليزية. فقد استطاع الدبلوماسيون الأتراك إبان المباحثات التي جرت في كل من لندن وإسطنبول في الفترة من 1839م وحتى 1841م وعن طريق علاقاتهم بإنجلترا الوقوف ضد المطالب الفرنسية المؤيدة لمزاعم محمد علي. وفي اللحظة الحاسمة التي قمع التحالف الأوروبي فيها قوات محمد علي عام 1840م، اضطرت فرنسا للتخلي عن دعم مصر عسكريًّا. وقد أسهمت سياسات محمد علي الداخلية والخارجية أيضًا في هزيمته. كان محمد علي ينتهج سياسة إصلاحية تعسفية لصالح الطبقة الاجتماعية الجديدة. وفي السياسة الخارجية اقترن الصراع ضد السيادة التركية والسياسة الاستعمارية للدول الأوروبية مع النزعات التوسعية. «لم ينجح محمد علي في إقامة علاقات ودية مع السكان المحليين» سواء في الجزيرة العربية أو في السودان أو في سوريا (108، ص186).
على أن انتصار السلطان على محمد علي لم يكن انتصارًا كاملًا، ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى أنه تحقق بمساعدة حلفاء، وهو ما يؤكد الضعف الداخلي للدولة.
وبعد أن أقرَّت الدول الأوروبية بأسرها معاهدة لندن عام 1840م، قامت كل من إنجلترا وبروسيا وروسيا وفرنسا والإمبراطورية العثمانية بتوقيع معاهدة لندن بشأن المضايق وذلك في 13 يوليو عام 1841م. وفي هذه المعاهدة «قرَّرت دول أوروبا بالإجماع، بناء على دعم السلطان، الاعتراف بالقانون القديم للإمبراطورية العثمانية الذي يقضي بإغلاق مضيقي الدردنيل والبوسفور أمام السفن الحربية الأجنبية، ما دام الباب العالي في حالة سلام».
على الرغم من أن وجود ضمانات للوحدة، يُعد في حد ذاته دليلًا على ضعف الدولة التي وُضِعت من أجلها الضمانات، وهي ضمانات لم تكن معلنة صراحة، لكنها نالت اعترافًا رسميًّا واعتُبرت قاعدة تسترشد بها الدول الأوروبية (116، ص242، انظر أيضًا 169، ص459).
لم يكن وضع الإمبراطورية العثمانية بعد توقيع معاهدة لندن بشأن المضايق وضعًا متينًا، فالإمبراطورية لم يكن بمقدورها، اعتمادًا على قواها الذاتية وحدها، حماية أراضيها.
إضافة إلى ذلك فإن نشاط الدبلوماسية التركية في فترة الصراع التركي المصري يُمكن اعتباره نشاطًا حالفه النجاح، إذا ما وضعنا في اعتبارنا أن نتائجه تناسبت والإمكانات الحقيقية للدولة.