توفي السلطان محمود الثاني في الأول من يوليو عام 1839م، أي بعد بضعة أيام من الهزيمة التي لحقت بالجيوش التركية عند نصيبين، وفي الرابع من يوليو قام القبودان باشا أحمد فوزي بخيانة الإمبراطورية وتسليم أسطول السلطان إلى محمد علي. لقد أدت سلسلة الخسائر التركية إلى إثارة الاضطراب لا في تركيا فحسب، وإنما في أوروبا أيضًا. كانت دول أوروبا الغربية في هذا الوقت تخشى من قيام روسيا بالتدخل العسكري. على أن الجهود الدبلوماسية التي بُذلت في وقت سابق لم تذهب هباء. لقد دفعت انتصارات محمد علي بالدول الأوروبية للتدخل على نحوٍ أكثر حماسًا لتسوية الصراع.
ما إن وصلت أنباء هزيمة القوات التركية إلى مسامع مترنيخ مستشار النمسا، حتى سارع في نهاية يوليو 1839م بتقديم اقتراح إلى السلطان عبد المجيد الأول بأن تقوم الدول الأوروبية بمعالجة هذا الصراع. كان مترنيخ يأمل أن يتم حل هذا الصراع في إطار دبلوماسي حتى يحرم روسيا من فرصة تطبيق معاهدة أونكيار إيسكيليسي وأن يمنع محمد علي من أن يواصل تطوير نجاحاته (43، المجلد 2، ص417، انظر أيضًا 65، ص45). وقد وافق السلطان على الاقتراح. وكان قد لجأ، قبل ذلك بفترة قصيرة، إلى أسلوب الصلح الذي كانت حكومة السلطان قد وافقت عليه أكثر من مرة: «العفو» عن محمد علي. وقد أبلغ السلطان نبأ العفو إلى القبودان باشا أحمد فهمي أيضًا، الذي وقع في أسر المصريين هو والأسطول التركي وأمر بإعادة الأسطول. وقد صرَّح عاكف أفندي، سفير السلطان بأن محمد علي يطلب أن يضم إليه كل الأراضي التي تمكن من الاستيلاء عليها. وقد وصل الأمر بحكومة السلطان، التي فقدت روحها المعنوية أمام سيل الأحداث المتلاحق؛ مثل وفاة السلطان محمود الثاني وهزيمة الجيش وتسليم الأسطول، إلى إعلان استعدادها تلبية مطالب محمد علي، معتبرة أن الحل الوحيد لإنقاذ البلاد هو عقد الصلح معه (48، ص160). في تلك الفترة كان نيكولاي الأول قد ترك تركيا دون أن يقدم لها أي مساندة، بعد أن نصح السلطان بالقيام بإجراء مفاوضات مباشرة مع محمد علي واعدًا إياه بتقديم «خدمات قيمة» له في الإسكندرية (63، ص91، 65، ص44، 110، ص50).
على امتداد الصراع التركي المصري (1831–1841م) بذل كل من السلطان ومحمد علي محاولات أربعًا للاتفاق فيما بينهما متجاوزين الوساطة الأوروبية، مدركين أن كليهما بحاجة للتسوية السلمية للصراع. كان السلطان قد وافق على إعطاء محمد علي حق الحكم الوراثي لمصر باعتباره نائبًا له فيها، وكذلك حق إدارة سوريا مدى الحياة، بشرط رفع قيمة الجزية السنوية التي تُدفع للباب العالي. لكن محمد علي ظل رافضًا التخلي عن سوريا، مُصممًا على أن يحكمها هو وأسرته من بعده. وقد دارت المفاوضات المباشرة في فبراير عام 1833م بمبادرة من السلطان محمود الثاني، وفي عامي 1836م و1837م بمبادرة من محمد علي (124، ج1، ص292-293/ 27، ص152-153)، وفي يوليو عام 1839م بمبادرة من السلطان عبد المجيد (19 مدونة 370–380)، ثم في نهاية عام 1839م بمبادرة من محمد علي (22).
في يوليو عام 1839م كان محمد علي ينتظر هو والسلطان في آنٍ واحد قرار الدول الأوروبية. وكان محمد علي يُعوِّل على أن الانتصار الذي أحرزه على جيش السلطان سوف يُساعده من جديد في الاحتفاظ بسوريا.
لم يتم افتتاح أعمال المؤتمر الأول في لندن لشئون الشرق إلا في ديسمبر عام 1839م (63، ص116). وقد شارك في أعمال مؤتمر لندن بدءًا من مارس 1840م نوري أفندي وشكيب أفندي، ممثلين لتركيا فيه (132، ص504-505، 511/ 203، ص15) (1). كان مصطفى رشيد، الذي عاد إلى إسطنبول عام 1839م لتسلم مهام منصبه مرة أخرى كوزير للخارجية، سعيدًا بدعوة ممثلين عن تركيا إلى المؤتمر. فقد اعتبر أن حضورهم إليه يمثل ضمانًا لعدم وجود أي تواطؤ من جانب الدول الأوروبية لتقسيم الإمبراطورية العثمانية. كان كل ما يخشاه مصطفى رشيد آنذاك أن تقوم كل من إنجلترا وروسيا بالاتفاق فيما بينهما على تقسيم الإمبراطورية (63، ص123).
كان بالمرستون قد اقترح قبل ذلك في خريف عام 1838م أن تقوم الدول الخمس الكبرى بافتتاح المؤتمر في لندن لمناقشة شئون الشرق. وقد أجابت روسيا في البداية بالرفض القاطع، لكنها عادت بعد ذلك فأبدت موافقتها. وهذا يعني أن روسيا كانت قد قرَّرت، تحت تأثير دول أوروبا الغربية، رفض إجراء أي اتفاق ثنائي مع الإمبراطورية العثمانية (63، ص94).
كان الهدف الرئيسي لدول أوروبا الغربية هو استبدال معاهدة أونكيار إيسكيليسي باتفاقية أوروبية مشتركة، تمكنها من حل مشكلة نظام المضايق وحرمان روسيا من إمكانية تنفيذ سياسة من جانب واحد في الإمبراطورية العثمانية. في الوقت نفسه كان على هذه الدول أن تصل إلى رأي موحَّد بخصوص الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لمساعدة السلطان في معركته مع محمد علي. أما المشكلة الثانية والأكثر حدة بالنسبة لتركيا فقد تضمنت، بعد الهزيمة الثانية لجيش السلطان في عام 1839م، مسألة الشروط الخاصة بإخضاع محمد علي للسلطان.
وإبان المفاوضات التي جرت في لندن عام 1840م (63، ص95–128) أثارت الخلافات الإقليمية بين السلطان ومحمد علي خلافات أخرى بين الدول الأوروبية، التي راحت تماطل في إصدار قرار نهائي. كانت سوريا محل جدل بين إنجلترا وفرنسا، فبينما راحت إنجلترا تسعى لإعادة سوريا إلى السلطان، ظلت فرنسا تسعى لإبقائها ضمن ممتلكات محمد علي.
وقد اقترح بالمرستون على فرنسا، أثناء سير المفاوضات معها، على الرغم من الاختلاف في وجهات النظر بينهما، أن يعملا معًا ضد روسيا. وقد وافقت فرنسا؛ إذ إن ذلك كان يُعطيها الفرصة لعرقلة خطط روسيا، ويوفر في الوقت نفسه مناخًا ملائمًا لمحمد علي لحل مشكلاته. وبدورها فقد سعت الحكومة القيصرية لاستغلال الخلافات بين إنجلترا وفرنسا لعزل فرنسا وعقد اتفاقية ثنائية بينها وبين إنجلترا، وذلك بعد أن تبين لها أنه من غير الممكن أن تعمل بمفردها، وإلا أدى ذلك بها إلى الدخول في حرب ضد دول أوروبا الغربية المتحالفة.
والآن وقد أصبح حل الصراع عن طريق الاتفاق المشترك في أيدي الدبلوماسيين، راحت إنجلترا تبذل كل ما في وسعها لتصبح أكثر الدول تشجيعًا للسلطان. أما فرنسا، التي بالغت في تقديرها لقوة محمد علي العسكرية، فقد أظهرت صلابة في آرائها إبان المفاوضات، واستندت إلى أن الباشا المصري سوف يستطيع بقوته العسكرية أن يُحقق مطالبه الإقليمية.
في هذا الوقت أعلن مصطفى رشيد باشا من إسطنبول اعتراضه الشديد على مقترحات فرنسا إعطاء سوريا وجزيرة كريت ليصبحا تحت إدارة ورثة محمد علي، وكان معتمدًا في اعتراضه على تأييد إنجلترا له. وقد فسَّر دي بونتوا، سفير فرنسا لدى إسطنبول رغبة حكومته في التخلي عن الباب العالي لصالح محمد علي بزعم وجود تهديد عسكري روسي بالتدخل واحتمال قيام حرب شاملة. وقد أشار مصطفى رشيد بحصافة إلى أن القوات الروسية لا يُمكنها أن تأتي إلى تركيا على أساس معاهدة أونكيار إيسكيليسي دون دعوة من السلطان، وأن روسيا، في الوقت الراهن، لن تقوم بأي عمل منفرد دون اتفاق مع الدول الأوروبية. وأعرب مصطفى رشيد عن عدم ثقته في محمد علي، طالما أنه لم يعد الأسطول التركي حتى الآن (48، ص317–320) والذي سلمه إليه أحمد فوزي بعد وفاة محمود الثاني. أما ما حدث في عام 1839م فيُعد تكرارًا لما حدث عام 1838م؛ إذ حاول مصطفى رشيد، عند توقيع المعاهدة التجارية بين إنجلترا وتركيا، استغلال الأوضاع السياسية المعقدة المحيطة بالإمبراطورية العثمانية ليحصل على موافقة الباب العالي في القيام بعدد من الإصلاحات. ومما ساعده على ذلك صغر سن السلطان عبد المجيد، إضافة إلى تأثير مصطفى رشيد القوي عليه. لقد استهدفت الإصلاحات، وفقًا لمخططات مصطفى رشيد، القضاء على أسباب السخط لدى الشعوب الخاضعة للإمبراطورية والعمل على وحدة وقوة الدولة. وفي الوقت نفسه توقع رشيد أن يكون لهذه الإصلاحات صدًى إيجابي في أوروبا، الأمر الذي رأى أنه قد يُساعد في إيجاد حل ملائم للمشكلات السياسية الخارجية بما فيها الصراع التركي المصري.
في الثالث من نوفمبر عام 1839م وفي احتفال مهيب في حضور ممثلين عن كل الطبقات والسفراء الأجانب أُعلن عن خطي شريف جولخانة (انظر 208، ص255–258/ 48، ص288–290/ 39، ص171–175/ 42، ص176–180/ 151، ص277–279).
لقد فتح بيان خطي جولخانة عهدًا جديدًا في تاريخ الدولة العثمانية؛ إذ وضع عددًا من الشروط الضرورية لحفز النظام الرأسمالي في الاقتصاد على النمو، كما ساعد كذلك في نشر التقاليد البورجوازية في حياة المجتمع المثالي. لقد أُعلن البيان بصورة احتفالية عن حرمة حياة وشرف وممتلكات رعايا السلطان ومساواتهم أمام القانون، سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين، وسمو القانون المدني على إرادة السلطان … إلى آخره. لقد اشتمل خطي جولخانة على أفكار جديدة تعارضت بدرجة كبيرة مع التقاليد والشريعة؛ ولهذا فقد تنبأ مصطفى رشيد بأنها سوف تثير معارضة السكان المسلمين (2). كان مصطفى رشيد مؤمنًا، كما تؤكد المصادر، بأن الإصلاحات التي بشر بها خطي جولخانة ممكنة التحقيق، ورأى أن الضمان الرئيسي لذلك يتمثل في موافقة السلطان عليها ودعمه لها (177، ص396، 151، ص274)، كما رأى أن العقيدة الإسلامية قادرة على تكييف أفكار الغرب البورجوازية لصالحها (151، ص274/ 177، ص393). على أن صدور أمر من السلطان لوضع هذه الأفكار، التي تطوَّرت فيما بعد في إصلاحات الفترة من 1839 إلى 1856م (والتي عرفت باسم فترة التنظيمات الإصلاحية الأولى) موضع التنفيذ لم يكن كافيًا في حد ذاته. لقد انعكست مثالية مصطفى رشيد في المبالغة في دور السلطان تجاه العمليات الاجتماعية، وفي سوء تقديره للقوى المناوئة من مختلف فئات المجتمع العثماني لهذه الإصلاحات. لقد اعتبر خصوم الإصلاحات أن خطي جولخانة ما هو إلا إجراء وقتي استعراضي وأن الحاجة إليه ستزول بمجرد زوال الصراع التركي المصري (47، العدد 6، ص7/ 157، ص38/ 177، ص387). أما أنصار الإصلاحات فقد أدركوا أن ضرورتها التاريخية والفائدة التي ستعود بها على تطوير المجتمع سوف تكون ضئيلة للغاية.
وفي عام 1848م علق فريدريك إنجلز على الطابع البورجوازي للتنظيمات الإصلاحية بقوله: «وهذه النجاحات الباهرة «للحضارة» في تركيا ومصر وتونس وفارس وفي غيرها من البلاد الهمجية لم تتمثل سوى في تهيئة الظروف من أجل ازدهار البورجوازية القادمة» (10، ص468). وقد لاقت هذه الآراء الخاصة بالإصلاحات تأييدًا من جانب المؤرخين السوفييت أيضًا (انظر على سبيل المثال 100، ص70/ 110، ص198/ 121، ص40/ 146، ص31). وقد تحدث أ. ف. ميلر عن الخطط الإصلاحية لمصطفى رشيد بقوله: «فكر مصطفى رشيد في إجراء إصلاحات جذرية حتى يضع بلاده على قدم المساواة مع أوروبا … وعلى الرغم من أن الأمر كان يكتنفه الغموض والتشويش، فقد تشكل هناك وعي بأن تركيا يجب أن تتخلى عن أسلوب الاستبداد الشرقي للعصور الوسطى وأن تنتقل إلى نظام جديد يضمن لها الحياة وحقوق الملكية.»
بالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب المبادرة للتغيير والإصلاحات ذات الطابع البورجوازي رأوا أن من الضروري الاحتفاظ بالمؤسسات التقليدية الأساسية للمجتمع الإسلامي: تعايش قوانين الشريعة مع القوانين الجنائية الجديدة، الحفاظ على تفوق المسلمين على غير المسلمين في الإدارة الحكومية (إدارة الدولة) وفي الوقت نفسه تحرير نظام الدولة وإكسابه طابعًا ليبراليًّا، استمرار نظام التعليم في المدارس في أداء وظيفته عن طريق التدريس بالطريقة التقليدية التي وضعها المفكرون الإسلاميون، وفي الوقت نفسه يُنشأ في البلاد نظام للتعليم المدني وتتم الاستفادة من منجزات العلوم الغربية، إقامة المؤسسات الرأسمالية مع الاحتفاظ بمبادئ السياسة الضريبية للدولة الإقطاعية … إلخ.
لقد أعاقت هذه الازدواجية من قيام مؤسسات بورجوازية جديدة، على أن هذه الازدواجية نفسها كانت حتمية؛ إذ إن المصلحين لم يكن باستطاعتهم (حتى ولو أرادوا) أن يصبحوا منطقيين تمامًا في إنجاز الإصلاحات البورجوازية. وفي هذا الصدد كتب كارل ماركس عام 1845م يقول: «هل من الممكن المساواة أمام القرآن في الحقوق بين المسلمين والكفار، بين المسلمين وباقي الرعية؟ إن هذا قد يعني حتمًا في الواقع استبدال القرآن بقانون مدني جديد، بعبارة أخرى: تحطيم بنية المجتمع التركي وإقامة نظام جديد للأشياء على أنقاضه» (7، ص130). وقد ذكر الباحث الأمريكي الشهير ر. ﻫ. دافيون المتخصص في فترة الإصلاحات أنه كان من الضروري هدم المجتمع كله من أجل إجراء إصلاحات أكثر نجاحًا وحسمًا (158، ص78). وقد عبَّر عن هذه الفكرة نفسها إ. ن. بيريزين عام 1858م (28، ص51).
على أي حال فقد قوَّضت التنظيمات الإصلاحية النظام القائم، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأيديولوجية. ويومًا بعد الآخر أدى اندماج الإمبراطورية العثمانية في السوق الرأسمالية العالمية إلى تراكم الثروات لدى التجار ورجال الصناعة، وكان ثراؤهم هذا مصدر قلق فضلًا عن الاضطهاد من جانب الدوائر الحاكمة التي كانت الفئات الطفيلية والخاملة تشكل الجزء الأكبر منها والتي كانت تخشى — في الوقت نفسه — التيارات الانفصالية في أوساط الشعوب الخاضعة. وقد انعكست التناقضات القومية، سواء الطبقية أو الدينية، أو تلك التناقضات التي جرى استيعابها على نحوٍ مشوش لدى السكان المسلمين، في الصراع الداخلي الذي دار في فترة الإصلاحات.
لقد أحدثت المبادئ التي أعلنها خطي جولخانة طفرة أيديولوجية (ثورة أيديولوجية) في المجتمع. إن هذا البيان وما تلاه من إصلاحات حدثت إبان حياة مصطفى رشيد باشا قد ألقت ببذور أيديولوجية بورجوازية جديدة، كما خلقت مؤسسات اجتماعية بورجوازية لم تكن موجودة من قبل، لكنها مع ذلك لم تضع أساسًا لنمو البلاد في المستقبل. وفي الوقت نفسه فقد استخدم مصطفى رشيد باشا خطي جولخانة باعتباره «سلامًا دبلوماسيًّا» (157، ص38) يُمكن أن يساعده في جذب انتباه الرأي العام في الدول الأوروبية إلى جانب السلطان وضد محمد علي.
.......................................................
(1) وصل نوري أفندي إلى لندن في منتصف مارس عام 1840م (63، ص 123)، وفي يونيو من نفس العام حل محله شكيب أفندي (63، ص 124).
(2) في الليلة التي سبقت إعلان الخط؛ صرَّح مصطفى رشيد لرئيسه أنه لا يدري إذا كان سيظل على قيد الحياة حتى اليوم التالي (انظر 53، المجلد 6، ص60–64/ 48، ص175).