في مايو عام 1838م واجه محمد علي مقاومة جماعية من جانب الدول الأوروبية عندما حاول إعلان استقلاله عن الإمبراطورية العثمانية، لكنه عاد في سبتمبر من نفس العام ليُقابل القناصل العموميين لكل من روسيا والنمسا وفرنسا، داعيًا إياهم لتأييده لدى السلطان في طلبه الاعتراف بحق الوراثة في حكم ولايته. وبالإضافة إلى ذلك فقد تعمد محمد علي أن يتجنب — لأسباب دبلوماسية — الخوض في مسألة حدود إقطاعيته المستقلة (1). وفي مواجهة التهديد الجديد لوحدة الإمبراطورية العثمانية قرر بالمرستون، كما يؤكد س. س. تاتيشيف: «ألا يُكرر أخطاء عام 1833م وأن يؤيد السلطان من كل قلبه وبكل قوة، سواء بالاشتراك مع فرنسا أو حتى بدونها» (132، ص423). وقد بذل بالمرستون جهودًا مضنية من أجل الدعوة لعقد مؤتمر لمناقشة المسألة الشرقية (178، ص117)، معلقًا على هذا المؤتمر آمالًا محددة. كانت المشكلة في تلك الظروف تتلخص فيما إذا كان باستطاعة إنجلترا — كما أشار ف. موصلي — القضاء على أفضلية روسيا لدى تركيا وتحويل معاهدة أونكيار إيسكيليسي لتصبح حبرًا على ورق (178، 93).
وقد أعلن الباب العالي رسميًّا — بعد عقد اتفاقية التجارة بين إنجلترا وتركيا — أن الأسطول التركي سوف ينضم إلى نظيره الإنجليزي تحت قيادة اللورد ستوبفورد للقيام برحلة بحرية مشتركة في اتجاه غير معلوم (178، ص97). كان الجانب الإنجليزي يسعى من وراء هذه الرحلة لأن يبث الأمل لدى السلطان في إمكانية استخدام هذين الأسطولين في ضرب الباشا المصري (178، ص94). ولقد تم بالفعل جمع الأسطولين لكن الإعلان عن وحدة إنجلترا وتركيا لم يثمر عن شيء؛ إذ لم يؤدِّ بالفعل للقيام بأية أعمال ملموسة.
ما إن تم توقيع المعاهدة التجارية، حتى سارع الباب العالي بوضع مشروع معاهدة عسكرية مع إنجلترا تقتضي سرعة البدء في الدخول في عمليات عسكرية بحرية ضد محمد علي. وقد أحيط بونسونبي السفير الإنجليزي لدى إسطنبول مقدمًا إبان مباحثاته مع قاني بك نائب الوزير الأعظم علمًا بذلك. ولما كان بونسونبي متخوفًا من احتمال تدخل روسيا في الصراع التركي في حالة تفاقم الموقف فقد بادر بسؤال محدثه عما إذا كان بنية الباب العالي طلب المساعدة من روسيا، وهل يرغب حقًّا في الحصول على دعم من الأسطول البريطاني. ثم ذكر بعد ذلك أنه على الرغم من أن روسيا — على حد قول بوتسو دي بورجو، سفيرها في لندن — متفقة مع الدول البحرية بشأن القضية المصرية، وأنها وعدت عند الضرورة بالاعتراف بإرسال الأسطول الإنجليزي إلى الإسكندرية وسوريا، إلا أنه صرَّح في هذا الصدد أن روسيا سوف تُقدِّم المساعدة للباب العالي إذا لم يستجب محمد علي إلى النصائح والتحذيرات وظل مصرًّا على مطالبه. واستطرد بونسونبي قائلًا إنه إذا جرى استدعاء الجيش والأسطول الروسيين إلى تركيا، فإن جميع دول أوروبا الغربية سوف تجد نفسها بلا شك في حالة عداء تجاه روسيا وتجاه الإمبراطورية العثمانية، وسوف يُصبح الموقف إجمالًا خطيرًا للغاية. وردًّا على سؤال بونسونبي حول ما هو المطلوب، من وجهة نظر الباب العالي، من أجل تسوية الصراع التركي المصري، عدَّد قاني بك النقاط الأربع التالية لعقد الاتفاقية الإنجليزية التركية الموجهة ضد محمد علي:
(1) يقوم السلطان، باعتباره السلطة العليا لمصر، بتكليف السفن الحربية الإنجليزية والسماح لها باحتجاز السفن الحربية والتجارية المصرية.
(2) حيث إن محمد علي استطاع أن ينقل قواته وإمداداته العسكرية إلى سوريا على سفن بعض الدول المحايدة فإن بإمكان الأسطول العثماني، استنادًا إلى الحقوق العليا للسلطان، احتجاز هذه السفن وتفتيشها.
(3) يقوم الأسطول العثماني بالاشتراك مع أسطولي إنجلترا وفرنسا بعملياتهم قبالة السواحل المصرية والسورية.
(4) تصبح هذه الشروط مؤكدة بموجب اتفاقية تتراوح مدتها من ست إلى ثماني سنوات (53، المجلد 6، ص7-8، 48، ص131).
أبلغ قاني بك السفير الإنجليزي أن الباب العالي يعتزم أن يرسل إلى إنجلترا بمشروع الاتفاقية، إلى جانب دفاتر تحوي معلومات عن أعداد القوات التركية في الأناضول. كانت هذه الدفاتر ضرورية لإثبات أن الباب العالي قد استعد تمامًا لأن يخوض الحرب ضد محمد علي. وفي محاولة منه للتأثير في السفير الإنجليزي وإقناعه بضرورة تأييد إنجلترا للباب العالي على نحوٍ حيوي، أكد قاني بك أن محمد علي ربما يتخلى في الوقت الحالي عن عزمه الحصول على حق الحكم الوراثي في مصر وسوريا بعد أن بلغه نبأ الأعمال المشتركة للدول البحرية والباب العالي، علاوة على خوفه من قيام انتفاضة سورية، وعلى أي الأحوال، فإنه (قاني بك) سوف ينتظر دائمًا الوقت المناسب للشروع في تحقيق الهدف. وأشار قاني بك بعد ذلك إلى المبادرة التي أعلنها نيكولاي الأول لتقويض الاتفاق الإنجليزي الفرنسي وإقامة تحالف روسي فرنسي. وعلى الرغم من أن فرنسا قد رفضت هذا الاقتراح، على حد قول قاني بك، فإن روسيا لم تتوقف عن الاستمرار في محاولة إقامة هذا التحالف. ورأى أنه إذا ما ظهرت في المستقبل أي مصاعب داخلية أو خارجية لدى إنجلترا وفرنسا تستحوذ على اهتمامها، فإن ذلك سوف يُعد، دون أدنى شك، فرصة مناسبة، سواء لروسيا أو لمحمد علي، لتنفيذ مخططاتهما.
لقد حاول قاني بك، عندما جاء على ذكر إمكانية قيام تحالف بين فرنسا وروسيا ووجود نيات عدوانية لدى محمد علي وربما لدى روسيا، أن يُثير مشاعر القلق لدى إنجلترا وأن يحثها على إزالة الصراع التركي المصري.
وافق بونسونبي قاني بك، إلا أنه أشار إلى أنه لا يملك الحق، بتقديمه المشورة، في تجاوز ما لديه من تعليمات. واستطرد قائلًا إن نتائج المفاوضات التركية في إنجلترا سوف تتوقف على السفير الذي يجب أن يُحسن اختيار الوقت وعلى قيامه بالتنفيذ المتقن للإجراءات، وأنه مهما فعلت إنجلترا بخصوص مصر، فإنه مما لا شك فيه أن فرنسا سوف يكون لها دورها، وأن المعاهدة التجارية الموقعة من الممكن أن تُسهل في حل المشكلة.
واستمرارًا لمحاولته استيضاح موقف إنجلترا، على نحوٍ أكثر تحديدًا، من مسألة إمكانية إشعال فتيل الحرب بين السلطان ومحمد علي وآفاق تقديم إنجلترا لدعم عسكري في مثل هذه الظروف، سأل قاني بك محدثه عن رأيه في الكيفية التي ينبغي على تركيا أن تتصرف بمقتضاها إذا ما جرى توقيع معاهدة بينها وبين إنجلترا.
وعندما لفت قاني بك نظر بونسونبي إلى الظروف المواتية المتمثلة في: الانتفاضة السورية ضد محمد علي، والخسائر الفادحة في صفوف الجيش المصري، ثم الأعداد الهائلة لقوات الباب العالي. رد بونسونبي على هذه الملاحظة بحرص شديد، مشيرًا إلى أن الحروب تتم الغلبة فيها لا لأصحاب الأعداد الغفيرة أو الشجاعة الشخصية، وإنما لمن يملكون المعرفة والمهارة. وأشار بونسونبي إلى أن محمد علي يمتلك قادة عسكريين أوروبيين، ولهذا فإن هناك مخاوف من أن يضطر الباب العالي للجوء إلى طلب المساعدة من روسيا. وأكد بونسونبي أن لدى الفرنسيين نفس المخاوف (53، المجلد 6، ص6–9).
وفي مباحثاته التالية مع وزير الخارجية مصطفى رشيد باشا، أشار بونسونبي عليه تحديدًا، باعتباره أكثر الدبلوماسيين الأتراك حنكة، بالذهاب إلى إنجلترا والإعراب عن أمله في أن المعاهدة التجارية السابقة بين إنجلترا وتركيا سوف تُساعد بشكل كبير على تحقيق الهدف المطروح.
وكرر بونسونبي على مصطفى رشيد أن دول أوروبا الغربية تشعر بالقلق إزاء إمكانية الباب العالي طلب المساعدة من روسيا. وهذا ما جعل كلًّا من فرنسا وإنجلترا يتوصلان — بعد حوالي خمس سنوات — إلى استنتاج حول ضرورة بقاء الوضع على ما هو عليه بالنسبة للعلاقات التركية المصرية طالما أن الباب العالي لم يصبح بعد قويًّا بشكل كاف. ووعد بونسونبي بأن يبذل كل جهوده ليصل إلى حلٍّ نهائي للمشكلة المصرية (دون أن يُحدد بدقة خططه في هذا الشأن). وأكد بونسونبي أن المصاعب التي يُمكن أن تواجه مصطفى رشيد في لندن يُمكن أن يكون مرجعها الرأي السائد هناك حول ميل الباب العالي نحو روسيا، ولهذا فإن مصطفى رشيد، باعتباره وزيرًا لخارجية تركيا، سوف يتمكن من تهدئة المخاوف الموجودة لدى حكومة إنجلترا. قال بونسونبي لمصطفى رشيد باشا: «آمل أن تُكلل مهمتك بالنجاح، ولست أرى شيئًا من شأنه أن يعوق تنفيذ رغبتك.» وألمح بونسونبي إلى أن إنجلترا لا تريد أن تدفع الباب العالي لاتخاذ خطوات من شأنها إثارة حفيظة روسيا، إلا أنه صرَّح أن روسيا لا تجرؤ بمفردها على مهاجمة الإمبراطورية العثمانية، وأضاف قائلًا إن النمسا لن تتصرف ضد سياسة إنجلترا وفرنسا، وهو ما يُمكن اعتباره إثباتًا مناسبًا (48، ص134–136).
على هذا النحو اعتبر الباب العالي ومعه السفير الإنجليزي بونسونبي أن عقد اتفاقية عسكرية بين إنجلترا وتركيا سوف يؤدي إلى عزل سوريا عن مصر، عن طريق فرض حصار بحري عسكري، وهو ما سوف يوفر بدوره ظرفًا مواتيًا تمامًا لتنفيذ مخططات السلطان في سلخ سوريا عن مصر محمد علي بالقوة. وفي الوقت نفسه فإن هذا التحالف الإنجليزي التركي ربما يجعل السلطان التركي في غير حاجة لطلب المساعدة من روسيا، ومن ثم، يتم دفن معاهدة أونكيار إيسكيليسي نهائيًّا (انظر 63، ص74-75، 178، ص93).
يذكر المؤرخ الإنجليزي ﻫ. تمبرلي، استنادًا إلى أرشيف بالمرستون الخاص، والموجود في برودلين، أن بونسونبي في فبراير 1839م «قدم اقتراحًا مباشرًا للسلطان بأن يُهاجم محمد علي، واعدًا إياه بتأييد إنجلترا له بحريًّا» (186، ص441-442، انظر أيضًا 63، ص75).
لقد أدى التأكيد الذي أبداه بونسونبي لنجاح مهمة مصطفى رشيد باشا إلى أن أصبح جيش السلطان في حالة تأهب تام، لا ينقصه سوى تلقي الأوامر لبدء العمليات العسكرية (178، ص134). وفي الوقت نفسه أبدت حكومة السلطان رفضها، بناءً على نصيحة روسيا، المشاركة في الاستعدادات التي كان يُجريها بالمرستون لعقد مؤتمر أوروبي شامل لبحث المسألة الشرقية. كان الوزراء الأتراك يخشون أن يتوصل هذا المؤتمر إلى قرارات لصالح محمد علي لا لصالح تركيا، على غرار تلك المؤتمرات التي عُقدت من قبل لبحث مصير اليونان وبلجيكا وأسفرت عن إعلان استقلال الدولتين (178، ص117-118). كان السلطان مفعمًا بالعزم على إخضاع الوالي المتمرد بالقوة العسكرية، سواء بمساعدة إنجلترا أو بدون مساعدتها. وبعد أن أعلن الباب العالي رفضه الاشتراك في المؤتمر الذي كان على وشك الانعقاد، قرَّر إرسال سفيره إلى لندن، وكان على السفير أن يمر في طريقه بفيينا وبرلين وباريس، ليستوضح مرة أخرى موقف الدول الكبرى قبيل قيامها بتنفيذ الخطط المرسومة.
كان مصطفى رشيد قد قام في أوائل أغسطس عام 1838م بإطلاع السفير الروسي لدى إسطنبول أ. ب. بوتينيف أن السلطان يشعر بالضيق للتأييد الذي طال أمره لبقاء الأوضاع على ما هي عليه، وأن السلطان قد أرسله إلى لندن وباريس لطلب دعم حاسم من حكومتي إنجلترا وفرنسا (178، ص97).
وفي أكتوبر عام 1838م بدأ مصطفى رشيد باشا رحلته (118، ص5/ 178، ص120/ 190، ص154). في فيينا أجرى وزير خارجية تركيا مباحثات مع مترنيخ. وقد صرَّح مستشار النمسا أن محمد علي لن يتنازل عن سلطته طواعية، وأشار بالانتظار حتى توافيه المنية. وفي سياق مباحثاته مع مصطفى رشيد في برلين، أشار وزير خارجية بروسيا فيرتر أيضًا عليه بتأجيل النظر في المشكلة المصرية، معربًا عن رضائه بالوضع الحالي والفوائد الناجمة عن التحالف مع روسيا (178، ص120-121). وفي مارس 1839م قام مصطفى رشيد بزيارة فينيسيا في طريقه إلى لندن (48، ص147).
وفي لندن بدأ مصطفى رشيد باشا مباحثاته مع بالمرستون. وعلى الرغم من أن بالمرستون كانت لديه الرغبة في تقديم المساعدة للسلطان، إلا أنه كان يرى أن من المستحيل أن تتخذ إنجلترا موقفًا منفردًا في المؤتمر. كانت الحكومة الإنجليزية مرتبطة بعدد من الالتزامات الدبلوماسية استهدفت جميعها الحيلولة دون وقوع صراعات مسلحة في الشرق. كان بالمرستون يخشى أن يواجه باحتجاج شديد من جانب روسيا وفرنسا (178، ص122، 126). وفي الوقت نفسه كانت روسيا مرتبطة بالباب العالي بمعاهدة ثنائية، إلى جانب امتلاكها جيشًا قويًّا، الأمر الذي كان من الممكن أن يجعل باستطاعتها المشاركة في رسم الخرائط إذا ما تدخَّلت في الصراع. كانت فرنسا نصيرًا واضحًا لمحمد علي، وكان من المستبعد تمامًا أن توافق على سلخ سوريا عن مصر، وهو ما أكدته أحداث عامَي 1839م و1840م فيما بعد. كل هذه الملابسات دفعت إنجلترا لاستبعاد المشروع التركي للمعاهدة، والذي كان يقضي بسرعة فرض الحصار على السواحل السورية. على أن وصول مصطفى رشيد إلى لندن، كان مقدرًا له، وفقًا لحسابات بالمرستون، أن يعمل على تدهور العلاقات التركية الفرنسية (178، ص94) وهو ما كان يُلبي أهداف حكومة إنجلترا. وقد تم اقتراح المشروع الإنجليزي لصياغة المعاهدة الإنجليزية التركية بدلًا من المشروع التركي.
تميز المشروع الإنجليزي عن التركي بمقدمته التي غيرت جوهريًّا من مغزاه: إن العمل الإنجليزي التركي المشترك يتم فقط «في حالة إعلان الباشا المصري للاستقلال، أو بوفاته وعدم خضوع أولاده لإرادة السلطان». استمر المشروع الإنجليزي بعد ذلك متفقًا مع المشروع التركي في أفكاره:
(1) يكلف السلطان الأسطول الإنجليزي بإيقاف السفن العسكرية والتجارية للباشا. وحيث إن الباشا يُرسل شحناته من المؤن والعلف والقوات إلى سوريا على متن سفن محايدة فإن من حق أسطول السلطان تفتيش هذه السفن ومصادرة ما تحمله من شحنات.
(2) يعمل الأسطول الإنجليزي بالاشتراك مع الأسطول التركي، ويقومان بالدوريات في المياه المصرية والسورية (2).
وفي الفترة من العاشر وحتى السادس عشر من أبريل عام 1839م ناقش الباب العالي والسلطان المشروع الإنجليزي، وتوصلا إلى استنتاج مفاده أن المشروع لا يُلبي مصالح الدولة العثمانية (178، ص128)، وإن كان لا يُشجع محمد علي على إعلان الاستقلال (48، ص148). وقد أعلن نوري أفندي، نائب وزير الخارجية: «أن المعاهدة التي يقترحها بالمرستون سوف ترغم تركيا على الانتظار إلى أجل غير مسمى … كما أنها تمنعها من استغلال الظروف المواتية التي يُمكن أن تتشكل لصالحها مستقبلًا» (63، ص80)، وفي هذا الصدد أيضًا كتب ف. موصلي يقول: «إن الفشل في توقيع معاهدة هجومية مع إنجلترا، لم يزد عن أن دفع السلطان لوضع مصير جيوشه على الخريطة فقط» (178، ص134).
بداهة فإن إنجلترا كانت راضيةً تمامًا عن الأوضاع التي تشكلت، والتي كانت ستؤدي حتمًا إلى نشوب الحرب بين السلطان ومحمد علي؛ إذ إن كليهما قد أعطى بذلك المبرر للتدخل الدبلوماسي من جانب الدول الأخرى والتي كانت تسعى إليه في تلك الفترة. وعلى الرغم من رفض إنجلترا عقد معاهدة إنجليزية تركية تتفق والمشروع التركي، إلا أنها لم تتخلَّ عن عزمها تقديم مساعدة فعلية للباب العالي من أجل إخضاع محمد علي للسلطان. وهو ما تؤكده جميع الأحداث التي وقعت فيما بعد.
لقد أدى الصدام المسلح الذي وقع في ربيع عام 1839م بين جيشي السلطان ومحمد علي دوره، وساعد إنجلترا في حصولها على النتيجة التي كانت تطمح إليها دون أن تسوء علاقاتها بالدول الأوروبية الأخرى (63، ص75-76). «كانت القطيعة بين الباب العالي والباشا المصري بمثابة نقطة انطلاق نحو مفاوضات متصلة ومعقدة بين الدول الكبرى، أدت إلى ما عُرف باسم الاتفاق الأوروبي بشأن الشرق» (132، ص430).
كانت حكومة السلطان تشعر بالإحباط التام من نتائج المفاوضات التي أجراها مصطفى رشيد باشا في لندن، ومن ثم قرَّرت اتخاذ إجراءات تهدف إلى تقوية تحالفها مع روسيا (63، ص80). وفي اجتماع مجلس الوزراء تقرر طرح الإجراءات التالية لاعتمادها من السلطان: إقالة فتحي باشا سفير تركيا لدى باريس من منصبه، وكانت روسيا قد اشتكت من تصريحاته المعادية لها، تعيين مصطفى رشيد سفيرًا لدى كل من باريس ولندن في نفس الوقت، بعد إعفائه من منصب وزير الخارجية. وتجنبًا لمشاعر عدم الارتياح من جانب إنجلترا تجاه إقالة مصطفى رشيد باشا اقتضى الأمر توضيحًا يُفيد أن مصطفى رشيد أُرسل إلى باريس من أجل توطيد العلاقات مع الحكومة الفرنسية. على أن السلطان عاد فأعرب عن شكه في صحة اتخاذ هذه الخطوة، بعد أن كتب في قراره أن استبدال الوزير وتعيينه في باريس أمور لم يكن ينبغي أن تظهر أمام إنجلترا على هذا النحو المتعجل. وأنهى السلطان قراره بقوله: «إن رشيد باشا قد لا يُعد شخصًا ضروريًّا، ولكنه شخصية ينبغي حمايتها من القرارات المتعجلة» (53، المجلد 6، ص17، انظر أيضًا 48، ص150-151) (3).
إبان المفاوضات التي أجراها مصطفى رشيد في لندن، كانت الحكومة التركية تقوم بإحاطة السفير الروسي لدى إسطنبول أ. ب. بوتينيف علمًا بمسار هذه المفاوضات، وكانت تنبه دائمًا إلى أنها سوف ترفض المعاهدة إذا ما أبدت روسيا تأييدًا أكثر فعاليةً للسلطان. وبعد فشل المفاوضات تظاهَر الباب العالي بأنه هو الذي رفض التحالف الإنجليزي التركي، وذلك حتى يتمكن من دعم علاقات تركيا بروسيا. ومما يؤكد اهتمام تركيا باحتفاظها بتحالفها مع روسيا هذه العبارات التي وردت في مرسوم السلطان، الذي صدر قبيل سفر مصطفى رشيد إلى لندن.
في هذه الوثيقة يأمر السلطان بإحاطة السفارة الروسية لدى إسطنبول علمًا ببعثة رشيد باشا، وذلك قبل سفره بأسبوع، كما يُصدر السلطان كذلك أمرًا بإحاطة الإمبراطور نيكولاي الأول شخصيًّا نيابة عنه بذلك سرًّا، حتى لا يُزعج روسيا بأخبار مفاجئة ولتجنب حدوث أي فجوة معها (48، ص143-144). لكن هذه الوثيقة للأسف لا تحتوي على أي معلومات تصف الطريقة التي كانت تُرسل بها أنباء المفاوضات إلى كل من السفير الروسي وإلى نيكولاي الأول.
لقد دفعت خطورة التقارب الإنجليزي التركي روسيا لأن ترسل في العاشر من أبريل عام 1839م بمذكرة إلى محمد علي تطلب منه فيها وقف تركيز قواته العسكرية في سوريا وسحب جيش إبراهيم إلى دمشق (63، ص80، 82-83). آنذاك كان الجيش التركي يقف عند الحدود السورية مستعدًّا لعبورها. «كان بوتينيف يلح على الديوان، محذرًا إياه من نقض السلام القائم بكل طريقة، حتى يؤكد بذلك أن صمت مجلس الوزراء الروسي لا يعني تأييد الاستعدادات العسكرية للباب العالي» (124، الجزء الأول، ص311، 20، انظر أيضًا 62، ص175، 63، ص77، 178، ص129). لكن التحذيرات لم يكن بمقدورها أن تُغير من الأمر شيئًا؛ ففي الواحد والعشرين من أبريل عام 1839م اجتازت القوات التركية نهر الفرات، وبعد مرور شهرين تمامًا على بدء العمليات الحربية، وفي الواحد والعشرين من يونيو عام 1839م انهزم جيش السلطان على يد قوات محمد علي عند نصيبين.
وصلت أنباء بداية الأعمال العسكرية إلى مصطفى رشيد وهو في باريس بعد وصوله من لندن إليها، بهدف التعرف على موقف فرنسا منها. وسرعان ما رجع مرة أخرى إلى لندن.
وإبان المفاوضات التي أجراها مصطفى رشيد في كل من لندن وباريس، تلقى في الرابع من يونيو عام 1839م وعدًا من بالمرستون بأن يتلقى مساعدة عسكرية من أساطيل فرنسا وإنجلترا في حالة تعرض جيش السلطان للهزيمة، وبعدم التدخل في حالة الانتصار. وقد جاء في التقرير الذي بعث به مصطفى رشيد يوم الرابع من يونيو عام 1839م (48، ص154) «أن الحكومة الإنجليزية تعتزم اتخاذ إجراءاتٍ حذرة أخرى سوف تحيط بها فرنسا والنمسا علمًا». وفي إسطنبول أبلغ بونسونبي الباب العالي أمر اعتزام إنجلترا تقديم مساعدة للأسطول التركي الذي كان يتحرك تجاه السواحل السورية (63، ص36).
كان مصطفى رشيد يرى أن رفض إنجلترا بدء الحرب ضد محمد علي لا يعني خيانةً لسياستها الشرقية. ولهذا فقد اقترح في تقاريره، كما فعل سابقًا، التوجه نحو إنجلترا لا نحو روسيا. وفي أحد هذه التقارير كتب مصطفى رشيد يقول إنه سمع بنشوب الحرب بين محمد علي وجيش السلطان، وإنه دعا الله أن ينصر جيش السلطان وألا يضطر السلطان لطلب المساعدة من الجيش الروسي مرة أخرى. وصف مصطفى رشيد طلب المساعدة من روسيا بأنه مشكلة عويصة وشديدة الحساسية. واستطرد قائلًا إن وصول القوات الروسية سوف يُغضب الدول الأخرى التي لن تكتفي في سياق الأحداث بالوقوف في مواجهة روسيا وإنما سيمتد الأمر لدخولها في حرب ضد بعضها البعض وضد الإمبراطورية العثمانية أيضًا. ودعا رشيد إلى التنبؤ ببدء هذه الأحداث (48، ص158). إن هذا الخوف الذي أعرب عنه مصطفى رشيد يُشير إلى النظرة الواقعية في الموقف السياسي للإمبراطورية العثمانية وسياسة الدول الأوروبية. وهو موقف يدعونا لأن نفكر كيف أن التوجه نحو إنجلترا، والذي جاء اختيارًا ومبادرة من جانب مصطفى رشيد، كان موقفًا أكثر فائدة للإمبراطورية العثمانية لحل الصراع التركي المصري، فضلًا عن أنه كان تقديرًا صحيحًا لأهمية هذا التوجه. بعبارة أخرى، لو أن الإمبراطورية العثمانية أرادت استدعاء القوات الروسية، استنادًا إلى شروط معاهدة أونكيار إيسكيليسي، فإن دول أوروبا الغربية لم تكن لتسمح بذلك ولدخلت في حرب ضد روسيا، التي يُمكن أن تسقط فيها، وهي الحليفة، ضحية للتنافس بين دول أوروبا وبين الإمبراطورية العثمانية.
نفس هذا الرأي حول آفاق التحالف الثنائي بين تركيا وروسيا طرحه في حينه أيضًا ك. ف. نيسيليرودي الذي كتب إلى نيكولاي الأول يخبره أنه لا أمل في مد العمل بمعاهدة أونكيار إيسكيليسي، وكان يعني ليس فقط مغزاها بالنسبة للباب العالي، وإنما أيضًا وبصورة أساسية علاقة دول أوروبا الغربية بها. كتب نيسيليرودي يقول: «ليس باستطاعتنا مد يد العون للسلطان دون أن نكون مستعدين لدخول الحرب ضد الإنجليز» (21، انظر أيضًا 115، ص80، 34، المجلد 12، ص 73، 63، ص89–90). لقد جاء رفض روسيا تقديم مساعدة عسكرية لتركيا بعد هزيمة قوات السلطان في نصيبين انطلاقًا من هذه الأفكار تحديدًا.
وترى المراجع التاريخية أن بعثة مصطفى رشيد إلى لندن أمر جانبه التوفيق كلية (169، ص458) وتُرجِع السبب في ذلك إلى رفض إنجلترا التوقيع على المشروع التركي للمعاهدة. على أن جميع الأحداث التي وقعت بعد هزيمة الجيوش التركية عند نصيبين تدفعنا للشك في هذا الرأي، فعلى الرغم من أن إنجلترا رفضت توقيع معاهدة عسكرية هجومية مع الباب العالي، إلا أنها واصلت الدفاع عن مصالح تركيا فيما يتعلق بالصراع التركي المصري (انظر 63، ص95–97، 109، 146–148، 160، 163، 165–173، وغيرها، 132، ص443، 48، ص323-324). وقد لعب هذا دورًا حاسمًا في نتائج تصعيد الصراع، عندما تترك هزيمة القوات العسكرية التركيبة عند نصيبين أي أثر سلبي على علاقتهما. لقد تم إعداد شروط إخضاع محمد علي للسلطان نتيجة المفاوضات الدبلوماسية بين ممثلي الدول الكبرى والباب العالي في كل من لندن وإسطنبول في الفترة من عام 1839 وحتى عام 1841م، والتي كان موقف إنجلترا فيها مرتبطًا، بشكل خاص، بنشاط الدبلوماسية التركية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر وكذلك بموقف محمد علي الذي أثار كل الدول الأوروبية عليه باستثناء فرنسا.
..............................................
1 لمزيد من التفاصيل حول المذكرة التي أرسلها محمد علي للدول الأوروبية والمؤرخة 5 سبتمبر 1838م وحساباته الدبلوماسية في تلك الفترة، راجع (27، ص153-154).
2 لمراجعة نص المشروع الإنجليزي للمعاهدة باللغة الفرنسية، أنظر 19، المدونات 78–80.
3 حول الإحباط الذي أصاب السلطان والباب العالي لنتائج سفارة مصطفى رشيد في لندن وعن الإجراءات التي اتخذتها حكومة السلطان لتقوية التحالف مع روسيا انظر كذلك 124، ج1، ص325-326/ 178، ص 105، 110، 123-124، 126–128