يشير القرآن الكريم حيناً إلى أنّ على الرجال أن يتركوا النساء حرات بعد طلاقهن ولا يتدخلوا في شؤونهنّ، ولبيان كيفية هذا الترك يستعمل قيد (المعروف) فيقول: (أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [البقرة: 231].
كما يذهب إلى أبعد من ذلك حيناً آخر فلا يكتفي بوجوب سلوك الرجال سلوكاً حسناً مع نسائهم عند تسريحهنّ، بل يجب أن يكون هذا التسريح بـ (إحسان). ولهذا لم يقل (فإمسالاً بمعروف أو تسريح بمعروف)، كما أنه إضافة إلى الأمر بالإحسان حرّم على الرجال أن يأخذوا شيئاً مـن نـسـائهم مقابل طلاقهن، أو أن يضغطوا على النساء إلى الحد الذي يجعلونهن يعطين شيئاً إلى الرجال عوضاً عن الطلاق: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) [البقرة: 229].
وفي هذه الموارد التي يطرح فيها القرآن الكريم حكماً جديداً، يستعمل قيد (الإحسان لبيان كيفية تسريحا النساء.
وفي ختام هذا القسم نذكر بالنقاط التالية:
1. يظهر من ضمير المخاطبين (كُم) في (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا) [البقرة: 229]َ أنْ أَخذ المال من المرأة في مقابل طلاقها حرام بالنسبة إلى الزوج، كما أنه حرام لقومه أيضاً وهم الذين يدعون الإصلاح طبقاً لآية. (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ) [النساء: 35]، ويحرم للحاكم أخذه كذلك في حالة وجود الحكومة الإسلامية؛ لأنّ ضمير المخاطب جاء بالجمع، ويؤيد ذلك الجملة التالية في الآية التـي تقول: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: 229] التي تجعلنا متيقنين بأن الخطاب يشمل المصلحين والجهاز الحكومي. إذن، فعمومية الآية تشمل الأزواج والمصلحين والجهاز الحكومي جميعاً.
2. في الوقت الذي يحرم على الزوج أن يأخذ في مقابل الطلاق شيئاً من المال الذي سبق أن أعطاه هو للزوجة، فلا شك في حرمة أن يطلب شيئاً لم يعطه للزوجة أصلاً.
3. لا إشكال في العطاء الابتدائي إذا كان برضا الزوجة، كما لا إشكال في أخذه بالنسبة إلى الزوج أو المصلحين أو الحاكم الإسلامي: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) [النساء: 4].
4. إن المراد من (ما آتَيْتُمُوهُنَّ) يمكن أن يكون المهر، أو الهدايا أو النفقات وأمثال ذلك مما يكون قد وقع في مدة المعيشة.
5. إن (شَيْئًا) نكرة في سياق النفي، ويستفاد منها عدم إمكانية استرجاع أي شيء مما أُعطي للنساء.