1. شأن النزول: نزلت في مرثد بن أبي الغنوي بعثه رسول الله الى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين وكان قويا شجاعا فدعته امرأة يقال عناق الى نفسها فأبى وكانت (بينهما) خلة في الجاهلية فقالت: هل لك أن تتزوج بي؟ فقال: حتى أستأذن رسول الله فلما رجع استأذن في التزوج بها فنزلت الاية[1].
عن ابن عباس في هذه الاية: ( وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ) [البقرة: 221] قال: نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها. ثم إنه فزع فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره خبرها فقال له النبي ﷺ: ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله. فقال: ياعبد الله هذه مؤمنة فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق، لأعتقها لأتزوجها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمه وكانوا يريدون أن ينكحوا الى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم فأنزل الله فيهم: ( وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ)[2] [البقرة: 221].
تنويه: إن وجود الروايات المتعددة التي تبين شأن نزوال الآية لا يعني وجود التناقض في ما بينها اذ يمكن أن تكون حوادث قد وقعت وجاءت الاية لبيان حكمها جميعا ثم نقل هذا المطلب بصورة السؤال والجواب أحيانا وأحيانا أخرى بمجرد تناسب الحكم والموضوع الذي أشير أو يشار اليه في ما بعد بعنوان سبب النزول أو شأنه.
2. لزوم إذن الولي في النكاح: عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال النكاح بولي في كتاب الله ثم قرأ: (وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ)[3] [البقرة: 221].
تنويه: استدل في هذه الرواية بالاية التي هي مورد البحث على لزوم اذن ولي المرأة في النكاح الا أن النظر النهائي في هذا الموضوع والاجابة على سؤال هل إن هذا الاذن في مطلق النكاح أم في الدائم فقط؟ وهل يشمل مطلق النساء أم البنت العذراء فقط؟ وكذلك كيفية تدخل الولي وتقييم رأيه بالنسبة الى رأي المرأة نفسها فالاجابة عليها رهن بمباحث الفقه الدقيقة.
3. كراهة الزواج بنساء أهل الكتاب: عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل المؤمن يتزوّج اليهودية والنصرانية، قال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهوديّة والنصرانية؟ فقلت له: يكـون له فيها الهوى. فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلم أنّ عليه في دينه غضاضة[4].
عن زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية ولا نصرانية، وإنما يحل له منهن نكاح البله[5].
عن أبي جعفر عليه السلام، قال: لا يتزوّج اليهودية ولا النصرانية على المسلمة[6].
عن الحسن بن الجهم، قال: قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام: يا أبا محمد، ما تقول في رجل يتزوّج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك، وما قولي بين يديك! قال: لتقولن فإنّ ذلك يعلم به قولي قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على مسلمة ولا غير مسلمة. قال: ولم؟ قلت: لقول الله عزّ وجلّ: (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ) [البقرة: 221] قال: فما تقول في هذه الآية: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) [المائدة: 5]؟ قلت: فقوله: (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) [البقرة: 221] نسخت هذه الآية. فتبسم ثم سكت[7].
عن أبي جعفرعليه السلام، قال: لا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية ولا نصرانية، وهو يجد مسلمة حرّة أو أمة[8].
تنويه: أ. الرواية الأولى رواية صحيحة، وتعبير (الغضاضة) الوارد فيهـا التي بمعنى النقص والحقارة يشير إلى كراهة نكاح نساء أهل الكتاب.
ب. (البله) جمع (الأبله)، وهو الإنسان سليم النفس لا قليل العقل والجاهل. وجاء في إحدى الروايات أنّ أكثر أهل الجنّة من البله[9]. والإنسان سليم النفس يكون قبوله ونكوله موافقين للفطرة والعقل، وتكون دعوته إلى الإسلام أكثر تأثيراً من دعوة غيره؛ حيث تكون نزاهته عن مطاعن أهل الكتاب ومثالبهم سبباً لتوقع هدايته، كما أنه لو افترضنا عدم تأثير الدعوة إلى الإسلام فيه لكنه لا يبادر أبداً بالدعوة إلى النار التي هي تلك الشريعة المنسوخة.
ج. لا يمكن اعتبار الرواية الثالثة دليلاً على حرمة الزواج بنساء أهل الكتاب؛ لأن الدليل أخص من المدعى. وعلى هذا فيجب حمل الرواية على كراهة الزواج بالمرأة من أهل الكتاب أو إذا كان منعها إلزامياً، فهو مخصوص بالزواج بالمرأة الكتابية لمن كان عنده امرأة وزوجة مسلمة.
د. إن السؤال عن حكم المرأة النصرانية لمن كان لديه امرأة مسلمة (في رواية الحسن بن الجهم) يشير إلى جواز الزواج مع المرأة الكتابية في حدّ ذاته، وإلا لكان هذا السؤال غير صحيح. كما أن تبسم الإمام عليه السلام كما يقول صاحب الجواهر له كان. بسبب، أنّ الحسن بن الجهم لم يتمكن من تقديم استدلال فقهي تام، إذ اعتبر الآية التي لها الأسبقية في النزول (سورة البقرة) ناسخة للآيـة المتأخرة في النزول (سورة المائدة)، إضافةً إلى كون الموضوع في الآيتين مختلفاً، فإحداهما حول الشرك والأُخرى خاصة بأهل الكتاب.
ويضاف إلى جميع نقاط الضعف في استدلال الحسن بن الجهم أن النسبة بين الآيتين هي نسبة العام والخاص أو المطلق والمقيد؛ إذن فلا مجال للحديث عن النسخ المصطلح ولو كان ولا بد من من وجود تأثير فهو بعنوان تخصيص العام أو تقييد المطلق.
5. والرواية الاخيرة أيضا لا تصلح دليلا لحرمة الزواج بالمرأة الكتابية اذ الدليل فيها أخص من المدعى أيضا.
والحاصل أن الروايات المذكورة لا يمكن استظهار أكثر من كراهية الزواج مع النساء من أهل الكتاب منها ولا شك في أن مسألة زواج المرأة المسلمة مع الرجل الكتابي لها حكمها المستقل.
[1] مجمع البيان ج1-2 ص560
[5] المصدر نفسه، ص 356-357.
[9] عوالي اللآلئ، ج 1، ص71؛ بحار الأنوار، ج 5، ص128.