جاءت مفردة (الخير) في هذه الآية للتعيين لا للتفضيل. أي إنّ (الخير) بمعنى الجيد لا الأجود. ويؤيّد هذا الادعاء وجود القرائن الداخلية والخارجية:
1. وجود نهيين (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) [البقرة: 221] و(وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: 221] قبل كلمة (خير) وبعدها، وهما ظاهران في الحرمة. ولو كانت (خير) للتفضيل؛ لما استفيد من الآية حرمة الزواج بالمرأة أو الرجل المشرك، بل كان يثبت رجحان الزواج بالأمة أو العبد المؤمن من جهة، ومن جهة أخرى جواز الزواج بالمرأة أو الرجل المشرك.
2. لو كانت كلمة (خير) للتفضيل، لكان معنى (أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) [البقرة: 221] هو أن المرأة المشركة التي تدعو إلى النار جيّدة، لكنّ الأمة المؤمنة أفضل منها؛ هذا مع أن كل من يدعو إلى النار فهو شر. وعلى هذا تكون كلمة (خير) في الآية التي هي مورد البحث قد جاءت للتعيين لا للتفضيل، مثل كلمة (أولى) في. (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ) [الأنفال: 75].
3. وجود النهي التحريمي في آية (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) [الممتحنة: 10] التي تتحدث عن أهل الشرك، وعدم وجود أي قرينة توجب كون نهيها نهياً تنزيهياً.
تنبيه: 1. ما سبق يمكن أن يكون جواباً ابتدائياً عن إشكال يرد في الذهن، ويمكن الاطلاع عليه بعد مراجعة التفسير الكبير للرازي.
خلاصة الإشكال هو عدم المناسبة بين النهي التحريمي و(خير) بمعنى الأفضل، وهو يحتم أن يكون نهي الآية نهياً تنزيهياً لا تحريميّاً؛ لأنّ (حرمة الزواج مع المشرك) لا يتناسب مع (أفضلية الزواج مع المؤمن على الزواج مع المشرك). وأجاب الإمام الرازي على الإشكال المذكور بأنه رغم أن كلا الزواجين لهما منافعهما، إلا أن المزيّة العظمى هي في الزواج مع المؤمن[1]، نظير (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) [البقرة: 219] التي تفيد حكماً إلزامياً لا استحبابياً.
لكن يمكن معرفة المسار المستقيم لتفسير الآية التي هي مورد البحث والسير فيه كي تنتفي إمكانية طرح مثل هذه الشبهة أصلاً.
توضيح ذلك أنّ منشأ الإشكال هو الخلط بين أفضلية (المؤمن بالنسبة إلى المشرك) وبين أفضلية (الزواج بالمؤمن بالنسبة إلى الزواج بالمشرك). والذي تفيده الآية التي هي مورد البحث هو أفضليّة (المؤمن بالنسبة إلى الكافر) لا أفضلية (زواج ذلك بالنسبة إلى زواج هذا. وهذا شبيه كون المجتهد المطلق أعلـم مـن المجتهد المتجزي، إلّا أنّ تقليد أحدهما جائز وتقليد الآخر حرام (لدى الكثير من العلماء)، وتلك الأفضلية لا تتنافى مع هذا الحكم الإلزامي. نعم، لو كان معنى (خير) في الآية هو أنّ الزواج بالمؤمن خير وأفضل من الزواج بالمشرك، لكان لطرح الإشكال مكان.
2. رغم أن الغالب هو ورود مفردة (خير) بمعنى الأفضل، إلا أنه وفقاً للقرينة اللبية أو اللفظية، المتصلة أو المنفصلة، تكون (خير) بمعنى التعيين والحرف (من) أو غيره يجب تفسيره حسب المورد، كما هي الحال مع حرف (الباء) في (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ) [الأنفال: 75] الذي يجب تفسيره وفقـاً للتعيين لا التفضيل.
[1] التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 61.