لقد صيغت النداءات القرآنية في قالب الجمع حيـث تدعو الناس إلى الاجتماع وتضع المسؤولية على كاهل المجتمع. وتتصدى في التعاملات الاجتماعية لتعليم آداب وسنن تتلاءم مع كرامة الإنسان وتتناسب مع اتّصاف البشر بأحسن تقويم لتتمتع البيئة البشرية بالسلم والأمن والاستقرار ولذا فقد ذمّ جميع الأوصاف التي تبعث على النصب والفصال ومـدح جميع الفضائل التي تدعو إلى الود والوصال.
ولا يُؤيّد تأثير الاختلافات العنصرية والوطنية والزمنية والإقليمية ومـا شاكلها إلا في إطار أداة التعارف على بعض لا التفاخر على الآخرين ويعتبر الطريق الوحيد للمباهاة هو ترك التفاخر والابتعاد عن شر المباهاة وطرد فساد حبّ الجاه وإزالة غبار الكبر وشقّ ظلمة البيروقراطية وسائر المعاصي.
وإن القرآن لا يخص ضرورة أدب التعامل مع الآخرين في دائرة الأخوة المسلمين ويتصدى لإحياء معالم الأخوة والمساواة بين المسلمين عبر قوله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، بل ولشموليته يعتبر الود والإخاء الإنساني نافعاً في جميع المجتمعات البشرية ويدعو إلى التعامل مع الناس بأسرهم على أساس ميزان القسط والعدل ويقوم بحفظ الاحترام المتبادل عبر تكريم العدالة الشاملة ما زالوا مجانبين لشب نار الفتنة ومبتعدين عن التربع على كرسى الظلم والجور؛ {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 9].
الوصية بالمعاشرة الأحسن
بما أن الإنسان قد خُلق في {أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] وحريّ بمثل هذا المخلوق أن يتصف بالسلوك الأحسن لذا قال الله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء: 53]، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] والمراد بالقول لا يختص بالتعامل اللفظي بل يشمل مطلق السلوك والمعاشرة.
فإن رد الهجوم على الحدود الإسلامية وطرد التخاصم وقمع غزو الأعـداء بجميع أنواعها وأصنافها وإن كان أمراً ضرورياً، ولكن إن نشب الاختلاف والعداء في داخل حوزة الإسلام فلا ينبغي القضاء على الأخ المسلم الذي عُـد عدواً بل لابد في هذه الحالة القضاء على العداء معه لا على العدو. فإن ردع العدوّ ليس بالأمر العسير وأما القضاء على العداء واستعادة الود والإخاء فهو من شأن الحكماء الصلحاء؛ {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
وإن الحوزة الإسلامية كنطاق الأسرة تدور على مدار العطف ومحور المحبة حيث تجد نداء ... {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] يدوّي دوماً في الأرجاء وفصالهم ووصالهم على أساس الإحسان واللطف؛ {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] وإكرام الكبار بأمر {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] سارية المفعول على الدوام، كما أن حنان الكبار يُخيّم دوماً على حياة الصغار ويغمرهم بعطف عقلائي.