أستدل على قدرته سبحانه بوجوه نعرض أوضحها وأقواها.
الأول ـ الفطرة:
إنّ كل إنسان يجد في قرارة نفسه انجذابا إلى قدرة سامية عند طروء الشدائد ويعتقد أنّ هناك قدرة عليا هي الملجأ الوحيد للنجاة في تلك الأحايين. وهذا ما يلمسه من دون تلقين وتعليم. ووجود هذه الفطرة حاك عن وجود تلك القدرة المطلقة ، وإلّا يلزم أن يكون وجودها لغوا. وليس المراد من الفطرة هنا هو تصوّر القادر وتوهّمه عند طروء الشدائد حتى يقال إنّ تصور الشيء لا يدل على وجوده كتصور العنقاء الذي لا يعد دليلا على وجودها ، بل المراد منها الميل الباطني ، والانجذاب الذاتي الوجداني ، وإحساسه ذلك الانجذاب كسائر أحاسيسه.
فالإنسان الغارق في الشدائد الآيس من كل سبب مادي ، يجد في أعماق نفسه ـ وجدانا لا يشك فيه ـ أنّ هناك موجودا عالما بمشاكله قادرا على دفعها عنه. ولا ينافي فطريته الغفلة عنه بعد ارتفاع الشدائد وزوال المحن ، إذ ليس كل أمر فطري متجلّ في جميع الظروف. فإنّ لظهور الغرائز شرائط وأجواء خاصة حتى غريزتي الشهوة والغضب.
وباختصار إنّ الفطرة كما تدعو إلى وجوده سبحانه ، تدعو إلى صفاته من العلم والقدرة. يقول سبحانه :
(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ) (1).
الثاني ـ النظام الكوني:
النظام الكوني بما فيه من دقيق وجليل ، وما فيه من جمال وبهاء ، ودقّة وروعة ، وإتقان وإحكام ، يحكي عن قدرة مبدع الأشياء وتمكّنه من خلق أدقّها وأروعها. وقد خدمت العلوم الطبيعية كثيرا في هذا المجال. وأثبتت قدرة الصانع. وكلّما تكاملت هذه العلوم وازداد وقوف الإنسان على سنن الكون وقوانينه وبدائعه وروائعه ، تجلّت هذه الصفة بنحو أحسن وأجلى.
وبذلك يتّضح أنّ فعل الفاعل ، كما يكشف عن وجود الفاعل ، يكشف عن صفته. فالديوان الشّعري الرائع كما يدل على وجود منشئ له ، كذلك يدل على مقدرته الفنية وذوقه المتفوق وقدرته على التحليق في آفاق الخيال وسبك المعاني السامية في قوالب الألفاظ الجميلة. وكتاب «القانون» لابن سينا في الطب ، وكتابه الآخر باسم «الشّفاء» في الفلسفة ، يدلّان على أنّ مؤلفهما كان من البارعين في الطب والفلسفة. ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه عند ما يصف روائع أفعاله وبدائع صنعه في آيات الذكر الحكيم ، يختمها باسم «القدير» يقول سبحانه : (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (2).
فالاحكام والإتقان في الفعل آيتا العلم وعلامتا القدرة. وإنّا نرى في كلمات الإمام علي (عليه السلام) أنّه يستند في البرهنة على قدرته تعالى بروعة فعله وجمال صنعه سبحانه. قال (عليه السلام) : «فطر الخلائق بقدرته ، ونشر الرّياح برحمته ، ووتّد بالصّخور ميدان أرضه»(3).
ويقول (عليه السلام) : «وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته»(4).
ويقول (عليه السلام) : «فأقام من الأشياء أودها ، ونهج حدودها ولاءم بقدرته بين متضادّها» (5).
ويقول (عليه السلام) : «وأقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته وعظيم قدرته»(6).
إلى غير ذلك من خطبه وكلماته.
وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في جواب بعض الملاحدة : «كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك» (7).
الثالث ـ معطي الكمال ليس فاقدا له:
ومن دلائل قدرته سبحانه أنّه خلق الإنسان كما خلق غيره وأعطاه قدرة يقتدر بها على إيجاد البدائع والغرائب والصنائع الهائلة والأشياء الظريفة. ومن المعلوم أنّ الإنسان بوجوده وقدرته معلول وجوده سبحانه ، فهل يمكن أن يكون مفيض وخالق الإنسان القادر فاقدا لها؟
______________
(1) سورة الأنعام : الآيتان 40 و 41.
(2) سورة الطلاق : الآية 12.
(3) النهج ، الخطبة الأولى.
(4) النهج ، خطبة الأشباح ، الخطبة 91.
(5) المصدر نفسه.
(6) النهج ، الخطبة 165.
(7) التوحيد للصّدوق ، ص 91.