وعقد طيباريوس بسيَّانوس حبل أمانيه فأخلف الدهر ظنه، وشوَّه وجوه آماله، واعترفت زوجة سيانوس قبل انتحارها أن زوجها هو الذي أغوى لويلة لتدس السم لدروسوس، فخفف هذا الاعتراف حدَّة الخيبة، ولكن طيباريوس ظل كاسفًا كئيبًا، ولزم قصره في جزيرة كبري تسعة أشهر متتالية ولم يخرج — بعد ذلك — من الجزيرة إلا مرات معدودة، وقضى ساعات فراغه مع رجال الفقه والعلم والأدب، أو انزوى منجمًا، ولا صحة في القول أنه انغمس في الملذات الشهوانية وفي الفسق والفحش، ولم يهمل واجباته الإدارية، ولكنه لم يقم في رومة ولم يحضر جلسات مجلسها، وازداد شكه واشتد نَكَدَهُ، ولكنه لم يُمس ذاك الطاغية الذي أنهى أيامه بالشدة والإرهاب، وجل ما هنالك أنه لاحق جماعة سيانوس وضربهم بقساوة، ولكنه لم يأمر بإعدام أحد منهم بدون تحقيق ومحاكمة، فإنه في السنة 32 أطلق راح سبعة ممن وقعت عليهم الشبهة، ولم يعدم سوى تسعة من مجموع ستة عشر، وكان دروسوس بن جرمانيكوس أحد الضحايا الذين لاقوا حتفهم على يد طيباريوس، ويجوز اعتبار أغريبينة إحدى هؤلاء الضحايا؛ لأنها امتنعت عن الطعام في منفاها، وماتت جوعًا.
ولم ينم طيباريوس عن أمور الدولة في سنواته الأخيرة، ولم يتركها رهن الطوارق، فإنه عندما حلت الضائقة في رومة في السنة 33 وقلَّت النقود فيها فتح اعتمادًا للتسليف بدون فائدة قدره مائة مليون سيستركس، وفي السنة 36 قدم مبلغًا كبيرًا لإغاثة المتضررين من حرائق مرتفع «الأفنتين Aventine»، ومكنه اقتصاده في نفقات البلاط وإحجامه عن إنشاء الأبنية العامة وتشجيع التمثيل والممثلين من تنزيل ضريبة البيع من واحد في المائة إلى نصف واحد في المائة، ومن إبقاء ألفين وسبعمائة مليون سيستركس في الخزينة حتى وفاته.
وارتفعت سن طيباريوس ومسَّه الكبر، وكان حفيده «غميلوس Gemellus» ابن دروسوس لا يزال صغيرًا، وكان ابن أخيه كلوديوس طائشًا أحمق في نظر عمه، فاتجهت أنظار طيباريوس نحو حفيد أخيه غايوس بن دروسوس بن جرمانيكوس، وجعله هو وعمليوس الصغير وريثيه معًا، ومن يدري فلعله ترجى أن يطول عمره إلى أن يبلغ عمليوس أشده، ولكنه توفي عند «رأس ميسينوم Misenum» في السادس عشر من آذار سنة 37، وكان «ماكرو Macro» ناظر الحرس قد تودد إلى غايوس وتقرب منه، فقيل: إن الاثنين معًا عجَّلا موت طيباريوس تعجيلًا، وقيل أيضًا: إن الجماهير ارتاحوا لموته فصاحوا: «أعطوا طيباريوس للتيبر» (1).
................................................
(1) TACITUS, Ann. 6:50; DIO CASS., 58:28; SUETONIUS, Tib., 73; JOSEPHUS, Bell. Jud., 18:205 ff.; CHARLESWORTH, M., op. cit., X, 635–643; HOMO, L., Haut-Emp., 233–235.