وأفسح موت جرمانيكوس المجال لدروسوس بن طيباريوس، ليخلف والده في الحكم، وكان قد انتُخب قنصلًا في السنة 15، فلما مات جرمانيكوس انتُخب قنصلًا مرة ثانية مع والده في السنة 21، ثم مُنح في السنة التالية سلطة التربنة، وتزوج في السنة 19 من «لويلة Livilla» أخت جرمانيكوس، فرُزق منها توأمين ذكرين، وضمن بهما الخلافة بعده (1)، ثم توفي دروسوس فجأة في السنة 23، فتبنى طيباريوس نيرون ابن أغريبينة وأخاه دروسوس، راجيًا أن يرضي بذلك أمهما أغريبينة، ويبرِّد غيظها ويردَّ جماحها، ولكن طيباريوس كان قد استسلم إلى سيانوس بثقته وأنِسَ بناحيته، وكان هذا قد بدأ يطمع بالحكم، فأوغر الصدور واستوقد الغيظ، وآثار كمين الضغن بين أفراد الأسرة الحاكمة، وهو «لوكيوس آيليوس سيانوس Lucius Aelius Sejanus» ابن «لوكيوس سيوس سترابو Lucius Sejus Strabo» ناظر الحرس البرايتوري، أحبه طيباريوس منذ بدء عهده في الحكم لما توسم فيه من مقدرة في السياسة والإدارة، فأشركه في نظارة الحرس مع والده (14)، ثم جعله ينفرد بها لدى قيام والده إلى مصر ليتولى أمورها (13)، ثم خصه بمودته بين السنة 21 والسنة 23، فسمح له بحشد الحرس في ثنكات قريبة من أحد «أبواب رومة Porta Viminalis» فعظم شأنه، واشتدت هيبته، وأمسى «الرفيق المجاهد socius laborum» الذي لا يُتَّهم وُده ولا يُخشى غدره، فمقته دروسوس بن طيباريوس، واضطر أن يصفعه صفعًا، وتوفي دروسوس فجأة، فقيل أن سيانوس أغوى زوجة دروسوس فدست له السم فمات، وفي السنة 25 طلق سيانوس زوجته، وأحب أن يتزوج من لويلة أرملة دروسوس، فلم يسمح طيباريوس بذلك، وظل سيانوس يطمع في الحكم، وظل يستغل نفور أغريبينة وأولادها، ثم استغل ضجر طيباريوس من الحكم وخيبة رجائه بوفاة ابنه دروسوس وكثافة ظل والدته لبية في تدخلها في أموره، فحسَّن له تجنب رومة وجوهًا والابتعاد عنها، فانتبذ طيباريوس مكانًا قصيًّا، وأقام منذ السنة 26 في جزيرة «كابري Caprae» القريبة من ساحل نابولي، فأمسى سيانوس صلة الوصل الرئيسة بين السناتوس وطيباريوس، وتعذر على الشيوخ مناقشة طيباريوس، وتعذر عليه سماع أصواتهم، واكتفى الطرفان بمبادلة الرسائل على ضوء ما رآه سيانوس حقًّا.
وماتت لبية أرملة أوغوسطوس ووالدة طيباريوس في السنة 29، فانقطع إرشادها وردعها فأبهل طيباريوس يمينه سيانوس، فتمادى هذا في غروره، وأقنع طيباريوس أن أغريبينة ومن شد أزرها من الشيوخ يتآمرون على سلامة شخصه، فاستعان طيباريوس بنص قانون «الخيانة العظمى Lex Julia de maiestate»، الذي اشترعه أوغوسطوس في السنة 23ق.م.، وأوجب إبعاد أغريبينة وابنها نيرون، فاتخذ السناتوس قرارًا بذلك ونفاهما، وفي السنة 30 دخل دروسوس بن أغريبينة السجن في رومة، واستغل سيانوس بعض الظروف وخلق غيرها خلقًا فاستبدل بعض القادة العسكريين بغيرهم من أخصائه، وحظي بموافقة طيباريوس على الزواج من إحدى نساء الأسرة الحاكمة، وانتُخب في السنة 31 قنصلًا مع طيباريوس، فاتضح للملأ اتجاهه نحو السدة، فهرعت أنطونية بنت أنطونيوس وأرملة دروسوس ووالدة جرمانيكوس تصارح سلفها طيباريوس في أمور سيانوس وخداعه ونفاقه، ولا سيما فيما تعلق بأغريبينة وأولادها، فأفاق طيباريوس من سكرته بخمرة سيانوس ولوى عنانه فأبصر رشده، فاستدعى غايوس أصغر أولاد أخيه جرمانيكوس إلى كابري ليضمن سلامته، واستعفى في آيار السنة 31 من القنصلية؛ ليكره سيانوس على الاستعفاء أيضًا ففعل، ثم عين «سرتوريوس ماكرو Sertorius Macro» ناظرًا للحرس، وفي الثامن عشر من تشرين الأول، جاء سيانوس إلى مجلس الشيوخ؛ ليسمع تلاوة رسالة طيباريوس الطويلة العظيمة verbose et grandis epistula الرائعة، ويحظى بسلطة التربنة، فخاب رجاؤه وطاش سهمه، عندما اطلع قبيل نهايتها على ما حملته له، وأدرك أنه أمسى خائنًا في نظر طيباريوس، فحكم السناتوس على سيانوس بالإعدام، فخُنق في سجنه، ومُزِّق تمزيقًا (2).
............................................
(1) ROGERS, R.S., op. cit., 89 ff.
(2) TACITUS, Ann., 4–6, “Partner of my Labours and Reign of Terror”; SUETONIUS, 59–67; WILLENBUCHER, H., Tiberius und die Verschworung des Sejan, (1896); ROGERS, R.S., The Conspiracy of Agrippina, Trans. Am. Philol. Ass., 1931; CHARLESWORTH, M., op. cit., X, 626–642; HOMO, L., Haut-Empire, 222–228.