
طيباريوس قيصر.
وحلَّ بأوغوسطوس أصدق المواعيد في «نولة Nola» في التاسع عشر من آب من السنة الرابعة عشرة بعد الميلاد، وامتنع طيباريوس عن البحث في السلطة والحكم ما دام جثمان أوغوسطوس مسجَّى على سريره، ووصل الجثمان إلى رومة بعد خمسة عشر يومًا، واحتُفل بحرقه، وأُفلت نسر ليؤذن بانطلاق نفسه إلى مواطن الآلهة، وفي السابع عشر من أيلول التأم السناتوس فألَّه أوغوسطوس (1)، وأوجب تشييد هيكل على اسمه، وتخصيص كهنة لخدمته، وتليت وصية الراحل الكبير، فإذا بها تخص طيباريوس بثلثي أمواله المنقولة وغير المنقولة، وبالتمتع باللقب أوغوسطوس، وتهب لبية الثلث الباقي من أمواله، وإذا بها أيضًا توجب اعتبار لبية من الأسرة اليوليوسية بالاسم «يولية أوغوسطة Julia Augusta»، وأراد السناتوس أن يخصها برتبة عالية الذروة باذخة الشرف، ولكن طيباريوس لم يرضَ، ومع أنها ظلت يولية أوغوسطة في إيطالية، فإنها تمتعت في إسبانية بلقب «والدة الأرض وما عليها Genitrix Orbis»، وفي أزمير بلقب «الأم الأوغوسطية Augusti mater»(2)، وأمست في بعض مدن الشرق إلهة تستحق العبادة، مقترنة بإلاهات محلية (3).
وأقسم الشيوخ والفرسان والشعب يمين الولاء لطيباريوس، واقترح الشيوخ أن يستمر طيباريوس في ممارسة سلطتي التربنة والبروقنصلية اللتين كانتا بيده مدى الحياة، وأن يتمتع بجميع الصلاحيات الأخرى التي كان أوغوسطوس قد تمتع بها، فأبى طيباريوس مؤثرًا — على حد قول المؤرخ فيليوس — أن يظل «مواطنًا مساويًا لغيره aequalis civis» على أن يصير «مواطنًا ممتازًا eminens priceps»، ثم حمل نفسه على ما كره، وقبل راجيًا أن يعفى من تحمل أعباء الوظيفة عندما يبلغ الكبر، فأكبر أصدقاؤه ومؤيدوه هذا التواضع والتردد، أما أخصامه، فإنهم رأوا في جميع ذلك مداهنة وخداعًا لا إباءً وتواضعًا (4)، ومهما يكن من أمر هذا التردد في قبول اقتراحات الشيوخ، فإنه يجب ألا يغيب عن البال أن طيباريوس كان قد بلغ الخامسة والخمسين، وأنه كان قد مارس السياسة والحرب، وعرف رجالهما حق المعرفة، فاستثقل العبء وأراد ألا يكون هو الراغب الطامع، بل أن يكون مدفوعًا إلى الأمر من السناتوس نفسه محمولًا عليه، وقد يكون أوغوسطوس قد دبَّر كل هذا مع أصدقائه وأخصائه من رجال السناتوس في الجلسة الأخيرة التي عقدها معهم قبل وفاته بيوم واحد، فيكون أصدقاء طيباريوس على حق فيما فاخروا به، ويكون أخصامه على حق أيضًا فيما ادعوا به (5)، ويرى رجال الاختصاص أن عهد طيباريوس في الحكم كان عهد «إمبراطور عسكري دائم imperator perpetuus»، وأنه بدأ في السابع عشر من أيلول سنة 14 ب.م (6).
...............................................
(1) Divo Augusto honores, CIL, I, 244.
(2) Inscriptiones Graecae ad res Romanas pertinentes, IV, 1392.
(3) Ibid., I, 1150.
(4) TACITUS, 1:11–13; VELLEIUS, II, 124.
(5) SUETONIUS, Tib., 22–24; DIO CASS., 57:2-3; CHARLESWORTH, M., Tiberius, Cam. Anc. Hist., X, 611-612.
(6) DESSAU, Gozo Insc., 121; HOHL, E., Hermes, 1933, 106; LANG, A., Beitrage zur Gesch. des Kaisers Tiberius, 5.