ورغب أوغوسطوس رغبة أكيدة في سلم روماني دائم حقيقي، وعلم العلم اليقين أن الولاة والملتزمين والعشارين كانوا يُثقلون كاهل السكان في الولايات فيبتزون المال ابتزازًا، فرأى أن يحصي سكان الولايات، وأن يتعرف إلى مواردهم؛ ليعلم مقدار ما يجب أن يفرض من ضرائب (1)، فأمر بإحصاء شامل دقيق في غالية في السنة 27ق.م.، وقام بذاته إليها ليشرف على أعمال الإحصاء (16–14ق.م)، وأجرى مثل هذا في إسبانية وولايات الدانوب وسائر ولايات الدولة (2).
وعني العلماء عناية خصوصية بالإحصاء، الذي جرى في فلسطين لورود خبره في إنجيل لوقا، ولارتباطه بمولد السيد المسيح، فقد جاء في الفصل الثاني من إنجيل لوقا؛ أنه في تلك الأيام صدر أمر من أوغوسطوس قيصر بإحصاء جميع المسكونة (أي الإمبراطورية الرومانية)، وأن الإحصاء الأول جرى إذ كان كيرينيوس واليًا على سورية، وأن الجميع أخذوا ينطلقون كل واحد إلى مدينته؛ لكي يكتتبوا، وأن يوسف صعد أيضًا من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم؛ لأنه كان من بيت داود ومن عشيرته؛ لكي يكتتب مع مريم امرأته التي كانت حبلى، وأنه فيما كانا هناك تمت أيام وضعها فولدت ابنها الوحيد، وجاء ليوسيفوس المؤرخ اليهودي المعاصر أن «كيرينيوس Cyrenius» الشيخ الروماني كان قد تولى عدة مناصب قبل منصب القنصلية، وأنه كان رجلًا وقورًا جدًّا، وأنه جاء سورية مع آخرين بأمر من قيصر؛ ليتولى القضاء في سورية، وليحصي مع غيره مادة السوريين، وأن «كوبونيوس Coponius» أُنفذ معه؛ ليتولى السلطة على اليهود (3)، وذكر تكيتوس المؤرخ الروماني الذي دوَّن في أوائل القرن الثاني أن كيرينيوس دوَّخ الهومانيين، وأنه كان مستشار غايوس قيصر في حملته على أرمينية (4).
والثابت الراهن، هو أن كيرينيوس تولى القنصلية في السنة 12ق.م.، وأنه قام بعد ذلك في حوالي السنة 9ق.م. إلى جبال سورية لتدويخ الهومانيين، وأنه كان مستشار غايوس قيصر في الشرق بين السنة 1–3ب.م.، وأنه تولى ولاية سورية في السنة 6ب.م.، «السنة السابعة والثلاثين بعد أكتيوم» (5).
ومما يُقره العلماء اليوم، أن أوغوسطوس أمر بإحصاء مسكوني شمل جميع الولايات بين السنة 12 والسنة 7 قبل الميلاد،(6) وأن الإحصاءات توالت بعد ذلك مرة في كل أربع عشرة سنة، فتم واحد آخر منها في فلسطين في السنة 6ب.م.، وغيره في السنة 20ب.م.، والسنة 34ب.م.، والسنة 48ب.م.، وهكذا دواليك، حتى السنة 202ب.م.(7) ومن الثابت في الأوساط العلمية أيضًا أن بعض ولاة رومة تولى الولاية نفسها أكثر من مرة، وأن مثل هذا حدث في ولاية سورية (8)، وأن أكثر من واحد تولوا الولاية نفسها في وقت واحد (9)، ومما لا يجوز إغفاله قول ترتليانوس: أن «سنتيوس سترنينوس Sentius Saturninus» أشرف على أعمال الإحصاء في فلسطين وقت ولادة المسيح (10).
فلا تُستَبعد — والحالة هذه — الإمكانيات التالية: أن يكون كيرينيوس قد تولى الولاية مرتين، الأولى بالتعاون مع سترنينوس (9–6ق.م)، وأن يكون المعنى المقصود في نص لوقا هكذا: «وكان هذا هو الإحصاء الأول، الذي جرى حينما كان كيرينيوس واليًا على سورية»، وذلك للتأكيد أن لوقا كان يعلم أنه تم إحصاء ثان في عهد هذا الوالي في السنة 6 بعد الميلاد، ويلاحَظ هنا فرق بين الترجمة اليسوعية البيروتية وبين الترجمة الأرثوذكسية الأورشليمية، وأن هذه أقرب كثيرًا إلى النص اليوناني من تلك، ومن هذه الإمكانيات أيضًا، قول السر وليم رمزي: أنه من الممكن أن يكون كيرينيوس قائد الحملة على قبائل هومانة قد فُوِّض إجراء أمور أخرى في الشرق، فلما ارتاح إلى نتيجة أعماله الحربية في جبال اسورية (8 أو 7ق.م.)، تولى الإشراف على الإحصاء في فلسطين، نظرًا لصعوبة مراس اليهود (11).
ومما يعاون على التثبت من تاريخ هذا الإكتتاب المسكوني الإشارة إلى النجم الذي هدى المجوس من المشرق إلى فلسطين في السنة التي وُلد فيها المسيح، فقد قال أوريجانس الإسكندري (185–254ب.م.) في مقاله الثاني ضد كلسوس: إن هذا النجم كان من ذوات الأذناب، هدى الله به المجوس إلى المخلص، والله يهدي من يشاء بما يشاء بظاهرة طبيعية، وبظواهر غير طبيعية، فإذا ما اعتبرنا هذا النجم ظاهرة طبيعية، وعدنا إلى الحسابات الفلكية الدقيقة، قلنا مع كبلر وعلماء اليوم: أن «المشترى Jupiter» و«زحل Saturn» اقترنا في السنة السابعة قبل الميلاد ثلاث مرات، مرة في التاسع والعشرين من آيار، ومرة في التاسع والعشرين من أيلول، ومرة في الرابع من كانون الأول، وقلنا: إن المريخ اقترن معهما في شباط السنة التالية، فتألق في سماء الشرق مثلث منير مبهج يلفت الأنظار ويحير العقول، وقلنا أيضًا: أن هذا الحدث الفلكي النادر تمَّ في برج الحوت، الذي كان يدعى عند المنجمين الأقدمين «بيت إسرائيل»، فأثار الدهشة في المشرق، ووجه الأفكار نحو فلسطين (12).
ولا يخفى أن الراهب الروماني «ديونيسيوس Dionysius Exeguus»، الذي اقترح في السنة 533 بعد الميلاد العدول عن التأريخ من تأسيس رومة، والاستعاضة بالتأريخ من مولد المسيح لم يكن مستعدًا استعدادًا كافيًا لضبط السنة التي وُلد فيها المسيح، فإنه اعتمد بُسُط اقليمس الإسكندري (13)، حيث قرأ أن المسيح وُلد في السنة الثامنة والعشرين من ملك أوغوسطوس، حينما صدر الأمر بإجراء الاكتتاب الأول، ولما كان أوغوسطوس قد اتخذ هذا اللقب في السادس عشر من كانوا الثاني من السنة 727 لتأسيس رومة، فإن ديونيسيوس جعل مولد السيد يقع في مطلع السنة 754 لتأسيس رومة، وفاته ما رواه اقليمس قبل ذاك عن حكم أوغوسطوس، حيث قال: إنه حكم ستة وأربعين عامًا وأربعة أشهر ويومًا واحدًا، وأنه لو عدنا القهقرى من تاريخ وفاة أوغوسطوس في التاسع عشر من آب سنة 14ب.م.، ثمانية وعشرين عامًا نجد أنفسنا عند بدء حكم أوغوسطوس في الثامن عشر من نيسان سنة 33ق.م.، وأنه لو بدأنا من هذا التاريخ لوقع بدء العام الثامن والعشرين من حكم أوغوسطوس في الثامن عشر من نيسان سنة 6 قبل الميلاد.
.....................................................
(1) GREENIDGE, A.H.J., Census, Ox. Class. Dict.
(2) STEVENSON, J.H., Cam. Anc. Hist., X, 129–194.
(3) JOSEPHUS, Ant., 18:1.
(4) TACITUS, Ann. 3:48, JACKSON TRANS., II, 597–599.
(5) JOSEPHUS, Ant., 18:2.
(6) CORBISHLY, Quirinius and the Census, Klio, 1936, 89–91; ABEL, F.M., Hist. Palest., I, 415.
(7) Oxyrhynchus Papyri, II, 207, 209–211.
(8) SCHURER, E., op. cit., I, 354, n. 25.
(9) JOSEPHUS, Ant., 16:10.
(10) TERTULL. Con. Marc., 4:19; ANTE-NICENE FATHERS, III, 378.
(11) RAMSAY, W.M., Was Christ Born at Bethlehem, 238.
(12) THE Star of Bethlehem, Alder Planetarium, Chicage; The Chistmas Star, Morrison Planetarium, California, Academy of Sciences, San Francisco.
(13) STROMATA, 1:21.