تقرر إرسال «بان تسون» مع أمير دولة وي إلى دولة جاو ليبقيا هناك رهينتي سلام، فالتقى بملك وي، قال له: «ماذا لو جاءك رجل وقال لك، يا مولاي، إن بالمدينة نمرًا يجوب أسواقها، هل كنت تصدقه؟» فلمَّا رد عليه الملك بالنفي، قال له: «فماذا لو كان اثنان من الناس قالا لك إن النمر يجوب السوق؟ أكنت تصدقهما؟» فأجابه: «كنت أميل إلى الشك قليلًا» … «فماذا لو كان الذي أبلغك بذلك ثلاثة أفراد؟» وهنالك أجابه ملك وي بقوله: «نعم كنت سأصدق بالتأكيد!» فقال له بان تسون: «مع أن أسواق المدينة كانت خالية تمامًا من آثار أي نمر عابر في الطرقات، إلا أن مقولة ثلاثة أفراد، مؤكدة لوجود النمر، أوحت بما يُشبه الحقيقة. والآن، فقد آن لنا أن نعرف أن ما بين هاندان وطاليان أبعد كثيرًا (عن التصديق) مما هو مأثور عن حكاية السوق هذه، ومع ذلك فإن الذين يُجادلونني في هذا الموضوع يزيدون كثيرًا عن ثلاثة أشخاص، فأرجو من جلالتك تأمُّل هذه المسألة بعمق!» فرد عليه الملك، قال: «(على رسلك …) فأنا أستطيع أن أميز بين الحق والباطل (وأهتدي إلى الحقيقة في هذا الشأن).»
وهكذا فقد ودَّعه بان تسون وانطلق في طريق السفر، ثم ما لبثت الوشايات أن ترامت من كل صوبٍ إلى أسماع ملك وي، مما عرقل إرسال أمير البلاد ليبقى في الخارج رهينة سلام، وهكذا فلم يقدَّر ﻟ بان تسون أن يحظى باستدعاء الملك لمشاورته.
أقام ملك وي لأصحاب الفخامة أمراء وملوك الدويلات حفل أنخاب كبير في «فانطاي»، فلما دارت الكئوس ولعبت الخمر بالرؤوس طلب جلالته إلى القون [النبيل] أمير دولة لو أن يمزج الخمر ويرفع الكأس، فصدع الرجل بالأمر وقام واقفًا وانتحى بعيدًا عن مكانه وتخير مما جاءت به قريحته كلمات مناسبة، حيث قال: «كانت ابنة الأباطرة القديسين [إشارة إلى «ياو»، «شون»] قد أرسلت «آيدي» ليصنع خمرًا، فلما جاءها بشيء منه وجدته أحلى الخمر وأشهى الشراب. فقدمت منه إلى الملك «يو» الذي وجده سائغًا، عذب المنهل، فآثر الابتعاد عن (الصانع) «آيدي»، وأقسم ألا يقرب خمرًا صافي الشراب (مثل ما قُدم له آنفًا)، قائلًا: «سيأتي بعدنا من يضيعون بلادهم لقاء كئوس مترعة».
وكان الملك هوان، حاكم تشي قد اشتكى ألمًا أصاب معدته فأيقظه في منتصف الليل، فقام إليه «إيا» [وزيره المقرب إليه] وأعد له أطباقًا شهية المذاق، فأكل حتى شبع (وزالت عنه الأوجاع) فنام حتى وقت متأخر من اليوم التالي، فلما انتبه، قال … «سيأتي من بعدي (ملوك) يُبددون ملكهم مقابل أكلة شهية».
وحدث أن أُهدي للملك «أونقون»، حاكم جين، فتاة رائعة الحسن، تدعى «نانوي»، فشغلته ثلاثة أيام كاملة عن النظر في شئون البلاد، فأمر بها أن ترسَل إلى مكانٍ قصي حتى ينأى عن مشاهدة جمالها، وقال: «سيأتي في قادم الأيام من يلهون عن ملكهم اشتهاء لذَوات الخدور وربَّات الحجال.»
ومما يؤثر عن ملك تشو أنه صعد ذات مرة إلى قمة «تشيان» الصخرية العالية متطلعًا إلى جبل «بنع» وإلى يساره نهر «اليانغتسي» بينما امتدت إلى يمينه رقعة بحيرة «طونتين». وإذ وجد نفسه قد اعتلى قمة سامقة، ذاهبة في الارتفاع، أخذ منه التيه والكبر مأخذًا عظيمًا، وعزَّ عليه أن يكر راجعًا إلى أسفل القمة، وامتلأت نفسه من السعادة ونشوة الفرح ما ملك عليه كيانه فشُغل باللذة عن حياته، واستغنى بالتأمل عن ذاهل الموت. فلما انقضى من الزمان ما انقضى وفات رجع فأقسم ألا يصعد إلى ربوة «تشيان» مرة ثانية، قائلًا: «سيخلفنا من تُذهله لذة النظر إلى التلال السامقة والأنهار الجارية عن شئون الوطن» … والآن، وقد انعقد لعرشك معقد العزة والبهاء، فقد صرت تنعم بكل ألوان النعيم كيف شئت، وترفل في أثواب الترف كسوة بعد كسوة، فهذه الكأس بيدك مترعة الشراب (قد صبها لك «آيدي» — أعظم نادل)، وهذه صحفتك عامرة بطعام ذكي النكهة أعده لك أفضل طاه [ويدعى «إيا»] وإلى يمينك ويسارك تثنت في دلالٍ فتاتان رائعتا الحسن (هما: «باطاي» و«لوشو»)، وقد بلغتا من الملاحة ما فاق «نانوي» من بديع الجمال، وإذا نظرت أمامك تطلعت إلى غابة «شيا» بمناظرها الخلابة، وأروع منها ما ترامى خلفك من مشاهد الروعة بمنطقة «لانطاي»، مما لا تدانيه قمة تشيان سحرًا وجاذبية؛ فقد نلت من كل متعة نصيبًا، وهو ما يكفي إبادة (ليس بلدٍ واحدٍ فقط، وإنما …) دنيا بأسرها أو كتل متراصَّة من الأوطان والممالك.
وإذا كان لي أن أقول لجلالتك شيئًا، فاعلم أنه ما دمت قد مزجت المتع مزيجًا واحدًا، فالزم الحذر البالغ (أترى ثمة رأيًا آخر؟!)» وقد ظل الملك يطأطئ رأسه موافقًا على رأيه، ولسانه لا يفتر عن القول … «نعم … هو ذاك تمامًا، صدقت!»