الطفل الرضيع امّه الرباب[1] ابنة امرئ القيس بن عديّ، وامّها هند الهنود. قال السيّد ابن طاووس رحمه الله: ولمّا رأى الحسين عليه السلام مصارع فتيانه وأحبّته، عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى: هَلْ مِنْ ذَابٍّ يَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ؟! هَلْ مِنْ مُوَحِّدٍ يَخَافُ اللهُ فِينَا؟! هَلْ مِنْ مُغِيثٍ يَرْجُو اللهَ بِإغاثَتِنَا؟! هَلْ مِنْ مُعينٍ يَرْجُو مَا عِنْدَ اللهِ في إعانَتِنَا؟!
فارتفعت أصوات النساء بالعويل. فتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينب: نَاوِلِينِي وَلَدِيَ الصَّغِيرَ حتى اوَدِّعَهُ. فَأخَذَهُ وأوْمَأ إلَيْهِ لِيُقَبِّلَهُ، فَرَمَاهُ حَرْمَلَةُ بْنُ كَاهِلِ الأسَدِيّ لَعَنَهُ اللهُ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ في نَحْرِهِ فَذَبَحَهُ.
فقال عليه السلام لزينب: خُذِيهِ، ثُمَّ تَلَقَّى الدَّمَ بِكَفَّيْهِ فَلَمَّا امْتَلأتَا رَمَى بِالدَّمِ نَحْوَ السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: هَوَّنَ عَلَيّ مَا نَزَلَ بِي أنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ!
وفي «الاحتجاج»: أنّه لمّا بقي فرداً ليس معه أحد إلّا ابنه عليّ بن الحسين، وابن آخر في الرضاع اسمه عبد الله، أخذ الطفل ليودّعه، فاذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبيّ فقتله. فنزل عن فرسه وحفر للصبيّ بجفن سيفه ورمّله بدمه ودفنه.[2]
هذا الطفل الرضيع الذبيح وسكينة من امّ واحدة، وهي الرباب ابنة امرئ القيس، المارّ ذكرها. وكان سيّد الشهداء عليه السلام شديد الحبّ لسكينة والرباب، وهما أيضاً كانتا تحبّانه إلى درجة أنّ ابن الأثير ذكر في أحوال الرباب زوجة الحسين عليه السلام أنّها بقيت بعده سنة لم يظلّها سقف بيت حتى بليت وماتت كَمَداً. وقيل: إنّها أقامت على قبره سنةً وعادت إلى المدينة فماتت أسفاً عليه.
أمّا حبّ الحسين عليه السلام لسكينة فقد بلغ مبلغاً أنّه خاطبها بقوله: لا تحرقي قلبي بدمعك حسرةً! لاحظوا مدى مقام مودّته في عالم الكثرات على أساس محبّة عالم الوحدة كم كان رفيعاً عالياً صحيحاً، إذ إنّ قطرات من دموع ابنته العزيزة تحرق قلبه حسرةً. هذه كلّها نكات وحِكَم.
ذكر المرحوم المحدِّث القمّيّ والمرحوم آية الله الشعرانيّ أنّه روى في بعض المقاتل أنّ الحسين عليه السلام لمّا نظر إلى اثنين وسبعين رجلًا من أهل بيته صرعى التفت إلى الخيمة ونادى: يَا سُكَيْنَةُ! يَا فَاطِمَةُ! يَا زَيْنَبُ! يَا امَّ كُلْثُومَ! عَلَيْكُنَّ مِنِّي السَّلَامُ[3]! فنادته سكينةُ: يَا أبَه! استَسْلَمْتَ لِلمَوْتِ؟! فَقَالَ: كَيْفَ لَا يَسْتَسْلِمُ لِلمَوْتِ مَن لَا نَاصِرَ لَهُ ولَا مُعِينَ؟!... فَأقْبَلَتْ سُكَيْنَةُ وهي صَارِخَةٌ وكَانَ يُحِبُّهَا حُبَّاً شَدِيداً. فَضَمَّها إلى صدره ومسح دموعها وقال: أجل، لم أجد في المقاتل أنّ اسم الطفل الرضيع، الذي استُشهد وامّه الرباب، عليّ أو عليّ الأصغر. وذكر البعض أنّ اسمه عبد الله. بَيدَ أنّ الثابت عندي هو أنّ هذا الطفل اختار الشهادة بإرادته واختياره ولبّى نداء أبيه. وهذا سرّ من أسرار عالم الخلقة، إذ تمليك الأطفال إدراكاً واختياراً وقوّة معنويّة للجذب والتنفير. فلهذا ضحّى هذا الطفل الرضيع بنفسه على منهاج أبيه.
وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ صَارَ عَطْشَاناً ويَوْمَ ذُبِحَ في يَدَيْ أبِيهِ قَبْلَ أنْ يُقَبِّلَهُ ويُوَدِّعَهُ.
[1] «دمع السجوم» ص 186.
[2] يقول: «وضع حرملةُ السهم في القوس فأحدث ضجيجاً بين الملائكة.
عند ما انطلق السهمُ من قوسه المشئوم استقرّ في نحر الطفل مرفرفاً.
لمّا مزّق السهمُ الأليم نحره فإنّه انتهك يد الله (سلالة الإمامة الطاهرة).
منذ وتّرت السماء قوسها (نزل بلاؤها) لم ير أحد سهماً ضرب هدفين.
أخرج الإمام السهم وقال: اللهمّ احكم بيني وبين هؤلاء الكافرين.
هل هذا البرعم الغضّ من براعم نبيّك أهون عليك من فصيل ناقة ثمود؟».
[3] «نفثة المصدور في تجديد أحزان يوم العاشور» ص 38 و39، الطبعة الحجريّة. قال المرحوم المحدِّث القمّيّ هنا: وقُبض الحسن المثنّى بن الحسن وله خمس وثلاثون سنة. وضربت زوجته فاطمة ابنة الحسين عليه السلام على قبره فسطاطاً، وكانت تصوم النهار وتقوم الليل إلى سنة. نقل ذلك الشيخ المفيد وكثير من علماء الشيعة والسُّنّة. وكان هذا شائعاً بين النساء المحترمات الحانيات.