تحدّث السيّد ابن طاووس في هذا المجال مفصّلًا. وأورد في بداية حديثه - بأسناد متعدّدة - رسالة الإمام الصادق عليه السلام التي كان قد كتبها إلى بني الحسن عند سوقهم من المدينة إلى الربذة والكوفة. وفيها: بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إلَى الخَلَفِ الصَّالِحِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ مِنْ وَلْدِ أخِيهِ وابْنِ عَمِّهِ.
أمَّا بَعْدُ؛ فَلَئِنْ كُنْتَ تَفَرَّدْتَ أنْتَ وأهْلَ بَيْتِكَ مِمَّنْ حُمِلَ مَعَكَ بِمَا أصَابَكُمْ، مَا انْفَرَدْتَ بِالحُزْنِ والغِبْطَةِ والكَآبَةِ وألِيمِ وَجَعِ القَلْبِ دُونِي! فَلَقَدْ نَالَنِي مِنْ ذَلِكَ مِنَ الجَزَعِ والقَلَقِ وحَرِّ المُصِيبَةِ مِثْلُ مَا نَالَكَ، ولَكِنْ رَجَعْتُ إلَى مَا أمَرَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِهِ المُتَّقِينَ مِنَ الصَّبْرِ وحُسْنِ العَزَاءِ حِينَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنَا»![1]
ويذكر الإمام الصادق عليه السلام أربع عشرة آيةً قرآنيّة - مع هذه الآية - في فضيلة الصبر، ويأتي بشاهد ومثال، ثمّ يقول: وَاعْلَمْ أي عَمِّ وابْنَ عَمِّ! أنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَمْ يُبَالِ بِضُرِّ الدُّنْيَا لِوَلِيِّهِ سَاعَةً قَطُّ ولَا شَيْءَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الضُّرِّ والجُهْدِ والأذَاءِ مَعَ الصَّبْرِ. وأنَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يُبَالِ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا لِعَدُوِّهِ سَاعَةً قَطُّ.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا كَانَ أعْدَاؤُهُ يَقْتُلُونَ أوْلِيَاءَهُ ويُخْيفُونَهُمْ،[2] ويَمْنَعُونَهُمْ وأعْدَاؤُهُ آمِنُونَ مُطمَئِنُّونَ عَالُونَ ظَاهِرُونَ.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا قُتِلَ زَكَرِيَّا واحْتُجِبَ يحيى ظُلْماً وعُدْوَاناً في بَغِيّ مِنَ البَغَايَا.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا قُتِلَ جَدُّكَ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ لَمَّا قَامَ بِأمْرِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ ظُلْماً، وعَمُّكَ الحُسَيْنُ ابْنُ فَاطِمَةَ صلى اللهُ عَلَيْهِمَا اضْطِهَاداً وعُدْوَاناً.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في كِتَابِهِ: «وَ لَوْ لَا أن يَكُونَ النَّاسُ امَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِن فِضَّةٍ ومَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ».[3]
وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا قَالَ في كِتَابِهِ: «أ يَحْسَبُونَ أنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ في الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ».[4]
وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ: لَوْ لَا أنْ يَحْزَنَ المُؤْمِنُ لَجَعَلْتُ لِلكَافِرِ عِصَابَةً مِنْ حَدِيدٍ لَا يُصْدَعُ رَأسُهُ أبَداً.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ: إنَّ الدُّنْيَا لَا تُسَاوِي عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شُرْبَةً مِنْ مَاءٍ.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ: لَوْ أنَّ مُؤْمِناً عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ لَبَعَثَ اللهُ لَهُ كَافِراً أوْ مُنَافِقَاً يُؤْذِيهِ.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ: إنَّهُ إذَا أحَبَّ اللهُ قَوْماً أوْ أحَبَّ عَبْداً صَبَّ عَلَيْهِ البَلَاءَ صَبّاً، فَلَا يَخْرُجُ مِنْ غَمٍّ إلَّا وَقَعَ في غَمٍّ.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ: مَا مِنْ جُرْعَتَيْنِ أحَبَّ إلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَجْرَعَهُمَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ في الدُّنْيَا مِنْ جُرْعَةِ كَظْمِ غَيْظٍ، وجُرْعَةِ حُزْنٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ صَبَرَ عَلَيْهَا بِحُسْنِ عَزَاءٍ واحْتِسَابٍ.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ يَدْعُونَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ بِطُولِ العُمْرِ وصِحَةِ البَدَنِ وكَثْرَةِ المَالِ والوَلَدِ.
وَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا بَلَغَنَا أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ كَانَ إذَا خَصَّ رَجُلًا بِالتَّرحُّمِ عَلَيه والاسْتِغْفَارِ اسْتُشْهِدَ. فَعَلَيْكُمْ يَا عَمِّ وابْنَ عَمِّ وبَنِي عُمُومَتِي وإخْوَتِي بِالصَّبْرِ والرِّضَا والتَّسْلِيمِ والتَّفْوِيضِ إلَى اللهِ جَلَّ وعَزَّ والرِّضَا والصَّبْرِ عَلَى قَضَائِهِ والتَّمَسُّكِ بِطَاعَتِهِ والنُّزُولِ عِنْدَ أمْرِهِ!
أفْرَغَ اللهُ عَلَيْنَا وعَلَيْكُمُ الصَّبْرَ، وخَتَمَ لَنَا ولَكُمْ بِالأجْرِ والسَّعَادَةِ، وأنْقَذَكُمْ وإيَّانَا مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ بِحَوْلِهِ وقَوَّتِهِ إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، وصلى اللهُ عَلَى صَفْوَتِهِ مِنْ خَلْفِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيّ وأهْلِ بَيْتِهِ.[5]
[1] الآية 48، من السورة 52: الطور: واصْبِرْ ....
[2] في النسخة البدل: ويحيفونهم (بالحاء المهملة) من حيفَ بمعني ظَلَمَ وجَارَ.
[3] الآية 33، من السورة 43: الزخرف.
[4] الآيتان 55 و56، من السورة 23: المؤمنون.
[5] «الإقبال» للسيّد ابن طاووس، ص 578 إلى 581، أعمال شهر محرّم، أعمال يوم عاشوراء.