إنّ تفسير زيد بن أرقم لمعنى أهل البيت كان مبتدعاً ولا دليل عليه من اللغة والسنّة، فقد فسّر أهل البيت بأهله وعصبته (أهل النبيّ وعصبته) الذين حُرموا الصدقة بعده. وهم آل عليّ، وآل العبّاس، وآل جعفر، وآل عقيل، كما روى الحمّوئيّ بسنده المتّصل عن يزيد بن حيّان أنّه قال: دخلنا على زيد بن أرقم فقال لنا: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، مَن تَبِعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، ومَن تَرَكَهُ كَانَ عَلَى الضَّلَالَةِ، ثُمَّ أهْلُ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي؛ (قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
قُلْنَا: يَا زَيْدُ مَنْ أهْلُ بَيْتِهِ؟! نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا، أهْلُ بَيْتِهِ أهْلُهُ وعُصْبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيّ وآلُ العَبَّاسِ وآلُ جَعْفَرٍ وآلُ عَقِيلٍ.[1]
وسجّل العلّامة محمّد بن يوسف الكنجيّ الشافعيّ ثلاثة إشكالات على تفسير زيد بن أرقم لأهل البيت. وتوضيح ذلك: أنّه روى في كتابه «كفاية الطالب» خطبة الغدير بسند متّصل ومتن مفصّل عن زيد بن أرقم، وقال: أخرج مسلم هذا الحديث في صحيحه كما أخرجناه، ورواه أبو داود، وابن ماجة القزوينيّ في كتابيهما. ثمّ قال: إنّ تفسير زيد بن أرقم (أهل البيت) غير مَرْضِيّ. لأنّه قال: أهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. أي: بعد النبيّ صلى الله عليه وآله. وحرمان الصدقة يعمّ زمان حياة الرسول صلى الله عليه وآله وبعده، ولأنّ الذين حُرموا الصدقة لا ينحصرون في المذكورين، فإنّ بني المطّلب[2] يشاركونهم في الحرمان، ولأنّ آل الرجل غيره على الصحيح، فعلى قول زيد يخرج أمير المؤمنين عليه السلام عن أن يكون من أهل البيت.
بل الصحيح أنّ أهل البيت عليّ، وفاطمة، والحسنان عليهم السلام كما رواه مسلم بإسناده عن عائشة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله خرج ذات غداة وعَلَيْهِ مِرطٌ مُرَحَّلٌ[3] مِنْ شَعْرٍ أسْوَدَ. فجاء الحسن بن عليّ عليه السلام فأدخله، ثمّ جاء الحسين عليه السلام فأدخله، ثمّ جاءت فاطمة عليها السلام فأدخلها، ثمّ جاء عليّ عليه السلام فأدخله. ثمّ قال: أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.[4]
وهذا دليل على أنّ أهل البيت هم الذين ناداهم الله بقوله: أهل البيت، وأدخلهم رسول الله صلى الله عليه وآله في المِرط.
وأيضاً روى مسلم بإسناده أنّه لمّا نزلت آية المباهلة، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً، وحسناً وحسيناً وقال: اللَهُمَّ هَؤُلَاءِ أهْلِي.[5]
[1] «فرائد السِّمطين» ج 2، ص 250، الباب 48، من السمط الثاني، الحديث 520؛ وذكره مير حامد حسين الهنديّ في عبقاته، جزء الثقلين، طبعة إصفهان، ج 1، ص 311؛ كما أورده السيّد هاشم البحرانيّ في «غاية المرام» ص 215، الحديث 30، عن العامّة برواية الحمّوئيّ في «فرائد السِّمطين». ورواه مسلم القُشيريّ بسند آخر في صحيحه، طبعة مصر، سنة 1327، ج 2، ص 325، باتّصال السند بيزيد بن حيّان الذي قال: كنت مع حصين بن سبرة وعمر بن مسلم عند زيد بن أرقم. ثمّ فصّل زيد قصّة الغدير، وبيّن في آخرها تفسيره لأهل البيت في جوابه لحصين الذي سأله عنهم. وأضاف أيضاً قائلًا: كلّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وذكر أحمد بن حنبل هذه الرواية في مسنده، ج 4، ص 366، بسنده مفصّلًا؛ وكذلك أوردها محبّ الدين الطبريّ في «ذخائر العقبي» بتخريج مسلم (ص 16).
[2] المراد بني عبد المطّلب.
[3] قال في «أقرب الموارد»: المِرط بالكسر: كساء من صوف أو خزّ أو كتّان يؤتزر به. وقال أيضاً: المرحّل من الثياب ما أشبهت نقوشه رحال الإبل.
[4] الآية 33، من السورة 33: الأحزاب.
[5] «كفاية الطالب» ص 11، الباب الأوّل في بيان خطبته صلى الله عليه وآله بماء يُدعى خُمّاً، طبعة النجف الأشرف، سنة 1356. وقال السيّد ابن طاووس في كتاب «الطرائف في معرفة مذهب الطوائف» ص 116، طبعة مطبعة الخيّام بقم: قال عبد المحمود (المراد هو: نفسه، فقد سمّى نفسه بهذا الاسم في كتابه المذكور): كيف خفي عن الحاضرين مراد النبيّ صلى الله عليه وآله بأهل بيته صلى الله عليه وآله: وقد جمعهم لمّا انزلت آية الطهارة تحت الكساء. وهم عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام وقال: اللَهُمَّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرِّجس. وقد وصف أهل بيته الذين قد جعلهم الله خلفاً منه بعد وفاته مع كتاب الله تعالى بأنّهم لا يفارقون كتاب الله تعالى حتى يردوا عليه الحوض، فينظر مَن كان من العترة معصوماً لا يفارق كتاب الله في سرّ ولا جهر ولا في غضب ولا رضي ولا غني ولا فقر ولا خوف ولا أمن. فاولئك الذين أشار إليهم جلّ جلاله. قال السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في هامش ص 42 من كتاب «الفصول المهمّة»، الطبعة الثانية بعد أن نقل حديثاً مفصّلًا عن تفسير الثعلبيّ، وتفسير «الكشّاف»: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً. المراد من آل محمّد في هذا الحديث ونحوه مجموعهم من حيث المجموع، باعتبار أئمّتهم الذين هم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وأوصياؤه، ووارثو حكمه وأولياؤه، وهم الثقل الذي قرنه بالقرآن، ونصّ على أنّهما لا يفترقان، فلا يضلّ من تمسّك بهما، ولا يهتدي من تخلّى عن أحدهما. وليس المراد هنا من الآل جميعهم على سبيل الاستغراق والشمول، لكلّ فرد فرد، لأنّ هذه المرتبة السامية ليست إلّا لأولياء الله، القوّامين بأمره خاصّة بحكم الصحاح المتواترة من طريق العترة الطاهرة. نعم تجب محبّة جميع أهل بيته وذرّيّته كافّة، لتفرّعهم من شجرته الطاهرة صلى الله عليه وآله وسلّم. وبذلك تحصل الزلفى للّه تعالى والشفاعة من جدّهم بأبي هو وامّي. وكنت أوصيت أولادي أن يكتبوا هذا الحديث على كفني بعد الشهادتين لألقى الله تعالى بذلك. والآن اكرّر وصيّتي هذه إليهم، ولتكن الكتابة على العمامة.