إنّ الحدّ الوسط في هذا الدليل هو حكمته تعالى ، والشكل القياسي في هذا الدليل ، يكون هكذا : أنّ الله تعالى حكيم ، والحكيم لا يفعل عبثا وسفها ، فهو تعالى لا يفعل عبثا وسفها.
ثم ينضم إليه القياس الاستثنائي ، وهو أنّه لو لم يكن للإنسان معاد لكان خلقه عبثا وباطلا ، ولكنّ الله تعالى لا يفعل عبثا وسفها ، فالمعاد للإنسان ثابت ، فحكمته تعالى تقتضي أن يكون للإنسان حياة دائمية ومعاد في القيامة وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان مقدمات.
الأولى : أنّ الله تعالى حكيم ، والحكيم لا يفعل العبث والسفه ؛ لأنّه قبيح لرجوعه إلى ترجيح المرجوح ، أو لأنّه محال ، لأوّله إلى الترجح من غير مرجح ، وقد مرّ البحث عنه في العدل ، ولا ينافي ذلك ما عرفته في المباحث المتقدّمة من أنّ الله تعالى لا غاية له وراء ذاته ؛ لأنّ المقام يثبت الغاية للفعل لا للفاعل وكم من فرق بينهما.
الثانية : أنّ العبث والسفه هو ما لا يترتب عليه غاية عقلائيّة ، مثل ما إذا صرف ذو ثروة ماله فيما لا منفعة له ، أو فيما يكون منفعته أقلّ ممّا صرفه ، ولا يكون الصرف ذا حكمة ، إلّا إذا ترتب عليه المنفعة الزائدة عمّا صرف ، فالفعل لا يخرج عن العبثية والسفاهة ، إلّا إذا ترتب عليه فائدة وغاية عقلائية.
وعليه فخلقة الإنسان مع ابتلائه بأنواع المشكلات ، وكون نهايته الفناء من دون ترتب فائدة على ذلك بالنسبة إلى الله تعالى لكونه كمالا محضا وغنيا مطلقا ، ولا بالنسبة إلى المخلوق بعد فرض كونه سيصير فانيا عبث وسفاهة ؛ لأنّه بمنزلة ذي صنعة يصنع شيئا مهمّا ثم يخرّبه قبل أن يستفيد منه نفسه أو غيره ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وعبادة الإنسان وإطاعته لله عزوجل لا تنفع في حقّه تعالى ، لكونه غنيا مطلقا ، ولا في حقّ المطيع بعد كون المفروض أنّه سيصير فانيا ، والاستكمال بالطاعة والعبادة لا مطلوبية له إلّا إذا كان المطيع باقيا ، فإنّ العبادة والطاعة حينئذ توجبان رفعة نفس المطيع إلى مقام يتلذذ منه ، كالقرب والدنوّ من ساحة ربّه المتعال ، وكلياقته للمجالسة مع الأولياء الكرام ، في جنّات النعيم وغير ذلك.
قال الاستاذ الشهيد المطهري ـ قدس سره ـ : «إن كان خلف كلّ وجود عدم ، أو خلف كلّ عمران تخريب ، وإن كان كلّ نيل للتخلية فما يحكم على النظام العالمي إلّا التحرير والضلال ، وتكرار المكررات ، فيقوم وجود كلّ شيء على العدم والباطل» (1).
وقرّره الحكيم المتأله محمّد مهدي النراقي بوجه آخر ، وهو : «أنّا نرى في هذا العالم بعض الناس يطيعون ، وبعضا آخر يعصون ، وبعضهم يحسنون ، وبعضا آخر يسيئون ، وبعضهم يديمون في العبادة والطاعة ، وبعضا آخر يديمون المعاصي والسيئات ، ونرى جمعا في الخيرات والمبرّات ، وجمعا آخر في الظلم والخطيئات.
ونرى طائفة نالوا مقام رضاية الله تعالى ، وفرقة اخرى ذهبوا في الطغيان والضلال ، ونرى طبقة في الإحسان والنصح ، وزمرة في الملاهي والمناهي.
ونرى مع ذلك أنّ الموت يعرض على جميعهم ويفنيهم ، مع عدم نيل كلّ واحد منهم بجزاء عمله ، فلو لم يكن عالم آخر يجزى كلّ واحد بعمله ، لكان خلقة هذا النوع العظيم شأنه عبثا وسفها» (2) ونحوه كلام الفاضل الشعراني ـ قدس سره ـ في ترجمة وشرح تجريد الاعتقاد (3) فراجع.
وكيف كان فما يخرج خلقة الإنسان عن السفاهة والعبث ، هو وقوع المعاد ، لأن يصل الإنسان إلى نتيجة عمله الذي عمله في الدنيا ، من الاستكمال أو جزائه ، وإليه يؤول قوله تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (4).
فقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) إشارة إلى أنّ خلقة الإنسان بدون الرجوع والمعاد ليس إلّا عبثا وسفاهة وهي المقدمة الثانية.
وقوله تعالى : (فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) إشارة إلى عدم وقوع العبث منه تعالى لعلوّه عن ذلك وهو المقدمة الاولى ، ولعلّ قوله : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) إشارة إلى عدم حاجته إلى خلقة الإنسان ومعاده ؛ لأنّه مالك الملك ، والذي يكون كذلك ، لا حاجة إلى غيره ، فنيل الإنسان إلى غايته وعدمه لا يؤثران في مالكيته للملك ، وإنّما الخلقة ومعادها تنشأ من علوّه ، وكماله ، وغناه ، فلا مورد لاستكمال الكامل المطلق بالخلقة والمعاد.
الثالثة : أنّ المستفاد من دليل الحكمة هو معاد الإنسان كما تشير إليه الآية الكريمة ، وأمّا معاد عالم المادة والحيوانات فقد ذهب بعض أساتيذنا إلى الاستدلال له بدليل الحكمة ، ولكنّه محلّ تأمّل ؛ لإمكان أن يقال : إنّ خلقة المادة والحيوانات لانتفاع الإنسان ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (5) ، فمع وجود هذه الغاية في خلقة المادة والحيوانات ، وهي استفادة الإنسان منها بحيث يتمكن من الحياة الدنيويّة حتّى يعيش ويعمل ما يعمل ليست خلقتها عبثا وسفها ، ولو لم يكن لها معاد فإثبات المعاد لهما بهذا الدليل محلّ تأمّل ، بل منع ، نعم لو لم يكن للإنسان معاد فلا يكون خلقة كلّ ذلك إلّا عبثا وسفها وباطلا كما لا يخفى.
وكيف كان فإذا عرفت هذه المقدمات يكون خلقة الإنسان أحسن شاهد على وقوع المعاد ؛ إذ العبث لا يصدر منه تعالى ، فإذا كان الإنسان مخلوقا فلا يكون عبثا مع أنّه لا يخرج عن العبثية إلّا بوقوع المعاد ، فحكمته تعالى توجب البعث والمعاد ، كما صرّح به المحقّق الطوسي ـ قدس سره ـ في متن تجريد الاعتقاد (6).
وقال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ في ذيل قوله تعالى : «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ» (7) : «إنّ للناس رجوعا إلى الله وحسابا على أعمالهم ليجازوا عليها ثوابا وعقابا ، فمن الواجب أن يكون هناك نبوّة ودعوة ، ليدلوا بها إلى ما يجازون عليه من الاعتقاد والعمل ، فالمعاد هو الغرض من الخلفة الموجب للنبوّة ، ولو لم يكن معاد لم يكن للخلقة غرض وغاية ، فكانت الخلقة لعبا ولهوا منه تعالى ، وهو غير جائز ، ولو جاز عليه اتخاذ اللهو لوجب أن يكون بأمر غير خارج من نفسه لا بالخلق الذي هو فعل خارج من ذاته ؛ لأنّ من المحال أن يؤثر غيره فيه ويحتاج إلى غيره بوجه ، وإذ لم يكن الخلق لعبا فهناك غاية وهو المعاد ، ويستلزم ذلك النبوّة ، ومن لوازمه أيضا نكال بعض الظالمين إذا ما طغوا وأسرفوا وتوقف عليه إحياء الحقّ ، كما يشير إليه قوله بعد ، بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» (8).
وقال أيضا في ذيل قوله تعالى : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (9) : «وهو احتجاج من طريق الغايات ؛ إذ لو لم يكن خلق السماء والأرض وما بينهما ـ وهي امور مخلوقة مؤجلة توجد وتفنى ـ مؤديا إلى غاية ثابتة باقية غير مؤجلة كان باطلا ، والباطل بمعنى ما لا غاية له ممتنع التحقّق في الأعيان ، على أنّه مستحيل من الحكيم ، ولا ريب في حكمته تعالى» (10).
وقرّب في كنز الفوائد في اصول العقائد دليل الحكمة بما حاصله : «أنّ بعد ثبوت حكمة الله تعالى في أفعاله نعلم بأنّ خلقة العالم ليست عبثا ، بل فيها حكمة ومصلحة ، ثم ننظر أنّ المصلحة ترجع إلى الله تعالى ، أو إلى خلقه وحيث علمنا أنّه تعالى غنيّ بالذات وكامل من جميع الجهات ، فالمصلحة والحكمة ترجع إلى الخلق لا محالة ، ولا تكون الخلقة بمصلحتهم إلّا إذا كانت نشأة اخرى عقيب هذه الدنيا ، وإلّا لزم عدم كون الخلقة بمصلحتهم ، وهو نقض للغرض ، والنقض من أقبح الامور ، ووجهه أنّ المنافع والمصالح الدنيويّة منقطعة لا دوام ولا ثبات لها ، ووجودها لقلّة دوامها كعدمها ، ولا يكون إعطاء هذه المنافع والمصالح لائقا بشأن الحكيم على الاطلاق.
هذا مضافا إلى اختلاطها وشوبها بأضعاف مضاعفة من الصعوبات والمشاكل ، والمصائب والمحن ، والأمراض والفتن ، والمنافرات ، وحصول هذه المنافع والمصالح لا تكون غرضا من الخلقة ، وإلّا لزم نقضا للغرض ؛ لأنّه خلاف الإحسان ، هذا نظير كريم يدعو جمعا كثيرا للضيافة ، وغرضه من الدعوة هو الإحسان إليهم لا غير ، فيدخلهم في مجلس الضيافة ، وحضر لهم أنواع الأطعمة والأشربة ، مع إدخال أنواع الموذيات من السباع والذئاب والكلاب والحيّات والعقارب ونحوها مما تمنعهم ، قبل الالتذاذ الكامل بالأطعمة والأشربة ، ولا يعدّ ذلك عند العقلاء إلّا من أقبح القبائح التي لا تصدر ممن لا يبالي ، فضلا عمّن يبالي ، فضلا عن الحكيم على الإطلاق ، هذا بخلاف ما إذا أمر المولى الكريم عباده بالمشقات الجزئية في زمان قليل لينال في النشأة الاخرى النعمة الدائمة ، والمناصب الجليلة ، والعطايا العظيمة ، فإنّ الخلقة حينئذ تصير مستحسنة وقابلة للمدح والثناء ، وهذا برهان قاطع أرشد إليه الحقّ سبحانه وتعالى في كلامه المجيد بقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) (11).
_____________
(1) زندگى جاويد.
(2) انيس الموحدين : ص 232 ، الطبع الجديد.
(3) ترجمة وشرح تجريد الاعتقاد : ص 564.
(4) المؤمنون : 115 ـ 116.
(5) الجاثية : 13.
(6) شرح تجريد الاعتقاد : ص 405 الطبع الجديد.
(7) الأنبياء : 16 ـ 17.
(8) تفسير الميزان : ج 14 ص 283 ـ 284.
(9) ص : 27.
(10) تفسير الميزان : ج 17 ص 206.
(11) كتاب كنز الفوائد في اصول العقائد : ص 358