روى في تفسير «البرهان» عن محمّد بن شهرآشوب في تفسير هذه الآية أنّ رَأسَ الجَالُوتِ قال لعَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ عليه السلام: لم تلبثوا بعد نبيّكم إلّا ثلاثين سنة حتّى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف! فقال عليّ عليه السلام: وأنتم لم تجفّ أقدامكم من ماء البحر حتّى قلتم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ[1].
وقال في تفسير «الدرّ المنثور»: أخرج ابن أبي شَيْبَة، وأحمد، والنسائيّ، وابن جرير، وابن منذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي واقد الليثيّ قال: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سفر قبل غزوة حُنين فمررنا بسدرة. فقلتُ: يا رسول الله! اجعل لنا هذه ذات أنواط كما كان للكفّار ذات أنواط، وكان الكفّار ينوطون سلاحهم بسدرةٍ ويعكفون حولها[2]!
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: اللهُ أكْبَرُ هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ[3]. إنّكم تركبون سنن الذين قبلكم.
ولمّا جاوز موسى بالأسباط البحر، ووجدوا الهدوء والسكينة في تلك البلاد الشاسعة ببالٍ رخيّ، وعد الله موسى أن يذهب مع جمع من أخيارهم وأبرارهم للمناجاة ونزول كتاب التوراة المكتوب في الألواح على الجانب الأيمن من طور سيناء[4]، وكان جانباً ميموناً مباركاً، ذلك أنّ بني إسرائيل لم يكن لهم كتاب قانون وأحكام؛ وقد وعد الله أن ينزل على موسى كتاباً فيه موعظة وحكمة وتفصيل كلّ شيء[5].
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ والسَّلْوى ، كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ومَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ، وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى[6].
ولمّا أراد موسى أن يتوجّه إلى الطور للمناجاة وأخذ ألواح التوراة من الله في تلك الليالى الثلاثين المقرّرة التي امتدّت إلى أربعين ليلة، جعل أخاه هارون خليفةً لذلك الجمّ الغفير. وأوصاه أن لا يتّبع سبيل المفسدين؛ وأن يصلح في امّته. وذهب وحده إلى الطور لفرط عشقه وحبّه لرّبه ولذّة مناجاته وخلوته به؛ وأمر الذين قدّر لهم الذهاب معه أن يأتوا على أثره، ويلتحقوا به.
وخاطب الله موسى قائلًا: وما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ، قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ، قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ، فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً (أن ينزّل عليكم التوراة، وتحصلوا على سعادة الدنيا والآخرة بتعلّمها! أو: أ لم يعدكم أن ينقذكم من عدوّكم، ويمكّنكم في الأرض؛ ويخصّكم بنعمه العظيمة؟) أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ (أ فيئستم من رجوعي ولذلك مُنيتم باختلال نظم اموركم وتضاربه؟) أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ (و كفرتم بعد الإيمان، وعبدتم العجل) فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (في حُسن السيرة والخلافة عند غيابي)!؟ قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا (أو لم نصرف شيئاً من أموالنا في صبّ العجل الذهبيّ وتذويبه، فنكون قد عملنا ذلك تعمّداً) ولكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ (كالسوار والقرط والقلادة وغيرها) فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُ (أو هو مثلنا ألقى زينته) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ (ليس فيه روح) فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ، (موسى أو نسي السامريّ ذكر الله بعد الإيمان به). (كيف سوّغت لهم عقولهم عبادة العجل؟) أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا ولا نَفْعاً ، ولَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وأَطِيعُوا أَمْرِي ، قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ، قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ، أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أمري ، (إذ قلت لك: اخلفني في قومي ولا تتّبع سبيل المفسدين)؟! قال (هارون) يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ (عند المواجهة والمواجهة الشديدة أن يطيعني بعض القوم، ويخلفني أكثرهم، فيتفرّقوا فرقتين، وحينئذٍ) أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي[7] (أن تتعامل معهم تعاملًا حسناً).
[1] تفسير «الميزان» ج 8، ص 266.
[2] ويتحصّل من هنا أنّ ما يقوم به بعض الناس من العوامّ، إذ يسمّرون خرقة على بعض الأشجار القديمة كالسدر ويقفلونها، من الآداب الجاهليّة ونموذج من بقايا آثار الصنميّة.
[3] تفسير «الميزان» ج 8، ص 266.
[4] ينبغي أن يعلم أنّ «الأيمن» في قوله تعالى: وواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ صفة لجانب لا للطور؛ أي: الجانب الأيمن من جبل الطور، وهو جانب مبارك ميمون لا جانب جبل الطور الذي هو جبل مبارك.
[5] الآية 154، من السورة 6: الأنعام: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. والآية 145، من السورة 7: الأعراف: وكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ.
[6] الآيات 80 إلى 82 من السورة 20: طه.
[7] الآيات 83 إلى 94 من السورة 20: طه.