قال تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، فهي لا تنهى عن الاستغفار، بل تفيد أنّ الاستغفار لا فائدة فيه لهؤلاء. ولا تتعب نفسك ولا تشقّ عليها من أجلهم. ولا تترك راحتك واستراحتك ونومك وطعامك لهدايتهم! كما تفيد الآية السادسة من السورة الثانية: البقرة: سَواءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. والآية العاشرة من السورة 36: يس: وسَواءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. ومن الطبيعيّ أنّ أمثال هذه الآيات لا تفيد أنّ هداية الكفّار حرام عليك أيّها النبيّ، وأنّ الله نهاك عن ذلك، بل تفيد أنّ عمل هؤلاء قد تجاوز حدّه، وأنّ إنذارك لهم لا يثمر، فلما ذا تزعج نفسك بهذا الحجم؟ ولما ذا تعاني وتقاسي إلى هذا الحدّ؟ ولما ذا تسخّر وجودك كلّه لإرشادهم؟ إنّا أرسلناك للإبلاغ. وما عليك إلّا البلاغ. ولست مسؤولًا عن ذنوب اولئك وشركهم! فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ[1].
قال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ[2].
قال تعالى: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ[3]. فيبلغ ما يُوحَى إليه.
قال تعالى: طه ، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى[4].
قال تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ[5].
قال تعالى: وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ[6].
قال تعالى: فَذَكِّرْ إن نَفَعَتِ الذِّكْرى[7].
قال تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ[8].
فهذه الآيات كلّها تفيد أنّ مهمّتك أيّها النبيّ التذكير. قم بعملك، ولا شغل لك بإيمانهم وكفرهم الحقيقيّين! فذلك ليس بيدك، بل بِيَدِ الله. ولا تعذّب نفسك في تبليغ أحكامه؛ ولا تزهقها! ولا تأسَ على شركهم وكفرهم؛ ولا تشفق عليهم!
وأكثر هذه الآيات وضوحاً وصراحة هي الآية السادسة، من السورة 18: الكهف: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً.
ومثلها الآية الثالثة، من السورة 26: الشعراء: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
وكان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم يتعامل مع المنافقين بنفس الحكم الإسلاميّ العامّ الذي يتعامل به مع المسلمين، إلى أن مات عبد الله بن أبي، ثمّ نزلت الآيات الواردة في سورة التوبة بعد أن صلّى على جنازته واستغفر له، وأمرته تلك الآيات أن لا يصلّي على أحد منهم، ولا يقيم على قبره، لأنّهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا وهم فاسقون: ولا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهُمْ فاسِقُونَ. ونلحظ هنا حكماً بكفر عبد الله بن أبي ونظائره، ونهياً للنبيّ عن الصلاة عليهم! وكذلك حكمت الآية الكريمة الآتية بكفر المنافقين: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. وقد نزلت هذه الآية فيما بعد، وفي ضوئها لم يعد الاستغفار لهم مفيداً، بل أصبح محظوراً.
[1] الآية 35، من السورة 16: النحل.
[2] الآية 82، من السورة 16: النحل.
[3] الآية 54، من السورة 24: النور؛ و الآية 18، من السورة 29: العنكبوت.
[4] الآيات 1 إلى 3، من السورة 20: طه.
[5] الآية 45، من السورة 50: ق.
[6] الآية 55 من السورة 51: الذاريات.
[7] الآية 9، من السورة 87: الأعلى.
[8] الآيتان 21 و 22، من السورة 88: الغاشية.