كان القرن السادس عشر قرن الانطلاق عبر المحيطات للاستكشافات والاستعمار، وتزعمت هذه الحركة الكبرى كل من إسبانيا والبرتغال، فكانت الضربة التي وجهتها البرتغال للتجارة العربية في مياه المحيط الهندي والخليج العربي حاسمةً ومروعة، وفشلت مجهودات مماليك مصر ثمَّ سلاطين الدولة العثمانية في إعادة السيطرة الإسلامية على المياه الجنوبية.
وكانت إنكلترا في القرن السادس عشر تسعى إلى الحصول على شيء من ثروات التجارة البحرية، فقد كان الأسطول الإسباني البرتغالي حتّى الثلث الثاني من القرن السادس عشر هو المتحكم في البحار والمحيطات، لكن البحرية البريطانية استطاعت أن تكسر قوة ذلك الأسطول في عام 1588م عندما انتصرت على الأرمادا الإسبانية Spanish Armada The))، وبذلك أصبحت الطرق البحرية إلى المحيط الهندي مفتوحةً أمام السفن البريطانية، إذ أسست شركة الهند الشرقية البريطانية (1) في عام 1600م، وبعد أن تم طرد البرتغاليين من هرمز في العام 1622م ، انفتح الخليج العربي أمام السفن الإنكليزية الذاهبة إلى البصرة، وبذلك أصبحت البصرة واحدةً من أهم مراكز التبادل التجاري مع شركة الهند الشرقية(2).
ونظرًا لاتساع نطاق العلاقات السياسية والاقتصادية بين بريطانيا والدولة العثمانية، فقد دارت مفاوضات بين الدولتين انتهت بعقد معاهدة 1675م التي وضعت أُسس امتيازات المصالح البريطانية في العراق وتوطيدها بصفة عامة وفي نهري دجلة والفرات بصفة خاصة، فقد تضمنت معاهدة عام 1675م امتيازات عدة فيما يخص الملاحة النهرية (3).
لقد تظافرت عوامل عدة وراء اهتمام بريطانيا بالملاحة النهرية في العراق، ومن بين أهم تلك العوامل:
1. كان أمر حماية الهند وتقريب المسافة بينها وبين لندن، من أهم الدوافع في اهتمام إنكلترا بوادي الرافدين، فقد قام الإنكليز بمحاولات كثيرة لتمهيد طرق الملاحة في الفرات ومد السكك الحديد بين البحر المتوسط وسواحل الخليج.
2. قیام نابليون بونابرت بغزو مصر.
3. الخوف من نشوء دولة قوية في مصر تقف في وجه الأطماع البريطانية، ولذلك فقد قاومت بريطانيا مُحمَّد علي باشا (4) لما أراد أن يوحد سورية ومصر ويؤسس دولة حديثة قد تمتد إلى العراق وتوحد منطقة الشرق العربي.
4. المباشرة بإنشاء قناة السويس تحت رعاية فرنسية.
5. مقاومة توسع النفوذ الروسي في الدولة العثمانية وأطماعها في الخليج، فإذا قبضت روسيا على الفرات سهل اجتياح سوريا والساحل الشرقي للبحر المتوسط وآسيا الصغرى (5).
لقد تداخلت أهمية الملاحة في وادي الفرات مع سكة الحديد، إذ إنَّه مهما يكن لقناة السويس من الأهمية لأوروبا، فإنَّه يمكن غلقها بسهولة، وإنّها بمنزلة ثانوية لسكة حديد وادي الفرات التي يمكن أن توفر الميزات الآتية:
1. إنَّها تُهيّئ السبيل لمنع روسيا من التقدم في آسيا الصغرى.
2. إنَّ المشروع يربط البحر المتوسط بالخليج، ولذلك أهمية كبرى من الوجهتين السياسية والتجارية.
3. إنَّه يقصر المسافة بين الهند وإنكلترا ألف ميل، ويُقلل المدة اللازمة لقطعها من عشرين يوما إلى عشرة أيام.
4. سيضاعف من قوة إنكلترا الحربية، ويجعل آسيا الصغرى وسوريا والعراق وإيران مناطق نفوذ لها، كما أن سيطرة إنكلترا عليه أمر متيسر إذ يسيطر أسطولها على طرفيه في البحر المتوسط والخليج (6).
وابتداءً من سنة 1728م أصبح للإنكليز قوارب في نهر دجلة تُبحر بين بغداد والبصرة، وتطور النشاط البريطاني خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فقد بدأ الإنكليز باستخدام قوتهم البحرية ضد هجمات العشائر، وضد حكام العراق إذا ما اتخذوا موقفًا معاديًا للأطماع البريطانية، وضد إيران إذا تعرضت المصالح البريطانية في البصرة للخطر (7) ، وفي أعقاب نزول الحملة الفرنسية إلى السواحل المصرية في العام 1798م، تم إرسال سفينة حربية بريطانية لحماية المقيمية البريطانية في بغداد، واستمرت هذه السفينة مع جنودها مرابطةً في بغداد رغم فشل الحملة الفرنسيّة وانسحابها من مصر، وقد كانت المدة التي حكم فيها علي رضا (8) قائدًا للجيش العثماني الذي بعثه السلطان محمود الثاني(9)، ليضع نهاية لحكم المماليك في العراق والتي امتدت من (1831 - 1841م)، هيا التي وضع فيها الإنكليز أسس حقوقهم في المياه العراقية، بعد أن قام خبراؤهم وابتداءً من سنة 1830م بدراسة نهري دجلة والفرات ومسحها(10).
لقد تكللت أعمال المسح النهري بتأسيس شركة ملاحة غالبًا ما تُعرف بشركة (بيت لنج) (11)، وتُعرف رسميا بـ (شركة الملاحة البخارية في دجلة والفرات) التي أُسست في سنة 1860 م، والتي كانت تُسيّر باخرتين تجاريتين في دجلة، لقد اتّسع نطاق أعمال الشركة وتعاظمت أهميتها أثناء الربع الأخير من القرن التاسع عشر نظرا لزيادة النفوذ البريطاني، إذ إنَّ الشركة اعتمدت أثناء الحقبة التي سبقت الحرب العالمية الأولى على حماية الحكومة البريطانية.
حظيت أعمال شركة لنج بأعلى اهتمام من قبل الحكومة البريطانية؛ لأنَّ المصالح السياسية تتطلب توطيد المصالح التجارية، فهذا لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني يكتب في 18/ كانون أول/ 1906م، قائلًا: «إنَّ من الحكمة، جراء كون نهر دجلة هو أحد خطوط المواصلات المهمة إلى الخليج الفارسي والهند، أن نحذر لئلا يخرج النهر من قبضتنا، ثمَّ إِنَّ مركزنا الممتاز في النهر يغدو الآن أكثر قيمةً جراء اقتراب سكة حديد بغداد، وجراء احتمال أن تكون الملاحة وهي وسيلة النقل الوحيدة ورأس السكّة في بغداد والبصرة(12)»، وقد منحت الحكومة التركية، تحت الضغط البريطاني المستمر، الإذن المطلوب لشركة لنج في العام 1907م لتشغيل باخرة ثالثة في دجلة(13).
................................................
1. شركة الهند الشرقية الإنكليزية The English East India Company شركة تجارية أُسست للمتاجرة مع الشرق في 31/ كانون الأول / 1600م، وكان هدفها استيراد البضائع الشرقية مقابل تصدير البضائع الإنكليزية. للاستزادة عن شركة الهند الشرقية، يُنظر: محمد أمين عبد الأمير «التنافس بين الشركات التجارية الإنكليزية في منطقة الخليج العربي والأقطار المجاورة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر»،
Bennett, Thomas Jewell»,the past and Present Connection of England with the PERSIAN Gulf ,«Journal of the Society of Arts, London: June, 13, 1902, Pp.634- 652.
2. نوار، عبد العزيز سلمان، المصالح البريطانية في أنهار العراق، ص 23-24.
3. تضمنت المعاهدة ما يلي: حق مجيء الإنكليز إلى أراضي السلطان العثماني للتجارة بسفنهم الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، وأن يقوموا بالشراء والبيع. أن تُعامل إنكلترا معاملة الدولة الأكثر رعاية. للمزيد، يُنظر:
J. Hurewit, Diplomacy in the Near and Middle East, London: 1958, Vol.1. Pp.25- 32.
4. محمد علي باشا (1769-1849م): ضابط عثماني ألباني الأصل ولد في مدينة قولة الألبانية، جاء مع الفرقة الألبانية التي أرسلتها الحكومة العثمانية بهدف إخراج الغزاة الفرنسيين الذين سيطروا على مصر عام 1798م ، وبسبب ذكاء هذا الضابط وبمساعدة الظروف له استطاع أن يكون واليا على مصر وأن يُثبت مركزه، وكان الشخصية الأكثر شهرةً في تاريخ مصر، إلَّا أنَّ الدول الأوربية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا أوقفت طموحاته في معاهدة لندن عام 1840م. توفّي عام 1849. للمزيد، يُنظر: شبارو، عصام محمد المقاومة الشعبية المصرية للاحتلال الفرنسي والغزو البريطاني، ص 100-102.
5. حافظ، طالب حسين النفط والسياسة في العراق، ص 53.
6. Sir A.T. Wilson, Loyalties, Mesopotamia (1914-1917) , London: 1930, p.102.
7. صالح، بريطانيا والعراق حتّى عام 1914م، ص28.
8. علي رضا: ولد في طرابزون الواقعة على البحر الأسود عام 1779م ، اتصف بالشدة ضد المماليك حيث ذبح منهم نحو مائتي مملوك ومن بينهم ابن داوود باشا إلا أنه أحسن معاملة داوود باشا، إذ حافظ علي حياته وجعله يرحل إلى أسطنبول بسلام. كما اتصف بميله إلى الطرق الصوفية، ومنها البكتاشية. توفي في إسطنبول عام 1846م. للمزيد، يُنظر العزاوي، عباس، تاريخ العراق بين احتلالين 1917؛ همسلي، أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث، ص 322. 9. محمود الثاني (1784 - 1893م): سلطان عثماني من (1808 - 1839م)، أُجلس على العرش بعد خلع أخيه مصطفى، تابع ما بدأه السلطان سليم الثالث من إصلاحات استمرت في عهده الحرب البروسية - العثمانية (1806-1812م) والتي فقدت فيها السلطنة بساربيا، وعوضتها باسترجاع صربيا سنة 1813م، قضى على ثورة اليونان بمساعدة مُحمَّد علي باشا، وقد غزا في عهده محمد علي فلسطين وسوريا والأناضول (1833 - 1839م). للمزيد، يُنظر: غربال، محمد شفيق، الموسوعة العربية الميسرة، ص 1633.
10. المرجع نفسه، ص 33.
11. تحولت مؤسسة (لينش) إلى شركة للملاحة البخارية في أنهار العراق عام 1861 م، تحت مسمى (شركة السادة لينش للملاحة البخارية في نهري دجلة والفرات Messrs Lynch of the Euphrates and Tigris steam Navigation Company، وظلت قائمةً حتّى تمت تصفيتها عام 1951م. للمزيد، ينظر: نوار، عبد العزيز سلمان المصالح البريطانية في أنهار العراق، ص398.
12. العطية، غسان، العراق نشأة الدولة، ص 105.
13. نعمة، كاظم، الملك فيصل الأول، ص 10.